بثت مؤسسة “برّان” الإعلامية، اليوم الاثنين 28 يوليو/تموز 2026، لقاءًا خاصًا، مع الصحفي الفرنسي كونتا مولر، تحدث خلاله عن تجربته في تغطية الأحداث في اليمن، وكواليس زياراته الميدانية الست إلى البلاد خلال السنوات الخمس الماضية.
وفي اللقاء، روى "مولر" تجربته في تغطية الأوضاع اليمنية، والتحديات التي تواجه الصحفيين الأجانب في الوصول إلى مناطق الحكومة الشرعية والمحافظات الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، متحدثًا بالتفصيل عن تجربته في محافظة مأرب، وعن المواقف المثيرة التي عايشها، خصوصًا تجربة سقطرى الصادمة.
وجرى تسجيل اللقاء في استوديو “برّان” بمدينة مأرب، قبل مغادرة "مولر" المحافظة، مختتمًا زيارته الأخيرة إلى اليمن، التي استمرت أكثر من شهر وشملت المكلا وعدن وتعز وحضرموت ومأرب.
ومولر صحفي فرنسي مستقل يعمل منذ أكثر من عشر سنوات، ويتعاون مع عدد من المؤسسات الإعلامية الفرنسية، ويركز عمله على الصحافة المكتوبة، إلى جانب عمله أحيانًا مع الإذاعة. وكانت زيارته الأولى إلى اليمن عام 2021.
الإعلام الفرنسي واليمن
يقول "مولر" إن وسائل الإعلام الفرنسية لا تزال مهتمة باليمن، نظرًا لقلة عدد الصحفيين الذين يزورون البلاد، التي أصبحت، إلى حد كبير، مغلقة أمام الصحافة الأجنبية منذ نحو 8 سنوات.
وأضاف أن السعودية سمحت في بداية الحرب للصحفيين الأجانب بدخول اليمن لتغطية الأوضاع، لكن التحالف والحكومة اليمنية فرضا لاحقًا قيودًا على وصولهم، مشيرًا إلى أن الحصول على التصاريح اللازمة للعمل في مناطق الحكومة الشرعية أصبح اليوم بالغ التعقيد.
تحديات التغطية الميدانية
خلال اللقاء، تحدث مولر عن الصعوبات التي تواجه الصحفيين الأجانب أثناء العمل الميداني، وقال إن الحوثيين يطلبون مبالغ مالية كبيرة مقابل السماح لهم بالدخول وتغطية مناطق سيطرتهم.
وأضاف: “عُرض عليّ الذهاب إلى تلك المناطق وإعداد تقارير منها، لكن الحوثيين طلبوا مني 10 آلاف دولار مقابل أسبوع واحد فقط، وهو مبلغ كبير جدًا، خاصة بالنسبة إلى صحفي مستقل”.
وأوضح أن الطلب جاء من شخص على صلة بالحوثيين ولديه علاقات بوزارة الإعلام التابعة لهم، موضحًا أن التكلفة تشمل مرافقة شخصين، أحدهما من مكتب الحوثيين والآخر من وزارة الإعلام، إلى جانب الطعام والفندق والوقود والمرافقة الأمنية.
وخلص إلى أن “سلطات الحوثيين تحصل على أموال من الصحفيين، والمبالغ التي يطلبونها مرتفعة جدًا، خاصة بالنسبة إلى صحفي مستقل، مقابل تغطية تستمر أسبوعًا واحدًا فقط”.
وفي مناطق الحكومة الشرعية، قال مولر إن التكاليف أقل بكثير، لكنها قد تشمل التنقل والمرافقة الأمنية في بعض المحافظات.
موقف في تعز
وروى الصحفي مولر، تجربة عاشها في تعز برفقة زميلين يعملان في الإذاعة الفرنسية، موضحًا أنهم استأجروا سيارة من عدن، وعند وصولهم إلى حدود تعز أُرسلت لهم مرافقة أمنية حتى المدينة.
وقال إن قائدًا عسكريًا طلب منهم عند وصولهم إلى الفندق 200 دولار مقابل ثلاث ساعات من المرافقة، ثم أبلغهم بضرورة دفع المبلغ نفسه يوميًا طوال فترة إقامتهم، التي ستمتد إلى 5 أيام.
وأضاف أنه تواصل مع معارف في الحكومة اليمنية، فأُبلغ بأن دفع المبلغ ليس ضروريًا، وبعد إجراء اتصالات أُعيد إليه ما دفعه. وفي اليوم التالي، وصلت مرافقة أمنية جديدة، وطلب أفرادها المبلغ نفسه.
وقال مولر إنه يتفهم أوضاع الجنود والموظفين الحكوميين، خصوصًا مع عدم انتظام الرواتب، لكنه يعتقد أن الأموال التي يطلبها أفراد المرافقة لا تصل إليهم، بل تذهب إلى مسؤولين أعلى، مؤكدًا أن هذه الممارسات تشكل “عقبة كبيرة“ أمام الصحفي الأجنبي، موضحًا أنه لم يواجه تجربة مماثلة في مأرب أو سقطرى أو حضرموت.
مأرب الأفضل
عن تجربته في مأرب، قال مولر إنه زار المحافظة أربع مرات منذ عام 2021، وإنها، وفق تجربته، “تمتلك أفضل إدارة“ رآها في اليمن، واصفًا إياها بأنها “الأكثر كفاءة والأقل فسادًا”، وأنها تستحق أن تكون نموذجًا لبقية مناطق البلاد.
وأوضح أن ما لفت انتباهه هو اهتمام المحافظة بالنازحين، وما أنشأته من طرق وشبكات كهرباء وخزانات مياه وخدمات أساسية.
وقال إن انقطاع الكهرباء في مأرب نادر مقارنة بعدن ومدن أخرى، وإنها، أفضل محافظة في اليمن من حيث خدمة الكهرباء، والأفضل من حيث عدد المستشفيات ومستوى الخدمات الصحية المتوفرة، رغم الحاجة إلى مزيد من التحسين.
وأشار إلى أن المحافظة تبذل جهودًا في قطاع التعليم، وأن المعلمين يتقاضون رواتبهم شهريًا، معتبرًا أن هذا يميز مأرب عن محافظات أخرى.
وأضاف: “رأيت بنفسي في بعض المناطق شمال حضرموت مدارس مغلقة منذ عام كامل، وأطفالًا لا يذهبون إلى المدرسة، لأنه لا توجد مدارس تعمل، ولا معلمون، ولا رواتب. وهذا ليس هو الحال في مأرب“.
كما أشاد بالمستوى الأمني وحرية العمل الصحفي، قائلًا: “لا أقول إن الحرية هنا كاملة بنسبة 100%، لكنها، في رأيي، الأفضل في اليمن”.
ووصف مأرب بأنها “نور وسط الظلام الذي يعيشه اليمن”، مؤكدًا أنه يحرص في المؤتمرات والفعاليات التي يشارك فيها في فرنسا على الإشادة بالمحافظة ومحافظها، باعتبارها نموذجًا لما يمكن أن يصبح عليه اليمن مستقبلًا.
وقال إن الوصول إلى مأرب كان بالنسبة إليه “حلمًا”، لاعتقاده أن قربها من خطوط المواجهة وبعدها عن سيئون سيجعلان الوصول إليها صعبًا، مشيرًا إلى أن مساعدة المحافظ سلطان العرادة وتوفير المرافقة الأمنية ساهما في وصوله إليها.
وأضاف أنه كان يحمل مخاوف قبل زيارته الأولى، لكنه اكتشف أن مأرب “آمنة جدًا، على الأقل داخل المدينة”.
حفاوة مأربية
وفي سياق حديثه عن تجربته في مأرب، قال مولر إنه حتى خلال زيارته لخطوط التماس أو إلى مديريات الجوبة وجبل مراد ورغوان، استقبلته القبائل بحفاوة وحرصت على سلامته.
وأعرب عن امتنانه للسلطات المحلية؛ “لأنها أهتمت بي فعلًا ووفرت لي الحماية. فالأمر ليس كما هو الحال في بعض المحافظات الأخرى في اليمن، حيث أجد نفسي أحيانًا متروكًا وحدي”.
وأشار إلى أن وجوده كصحفي أجنبي يلفت الانتباه، وأن حاجز اللغة قد يؤدي أحيانًا إلى سوء فهم، ولذلك ترافقه السلطات عند خروجه للتصوير، خصوصًا خارج المدينة وفي الأسواق.
وأضاف: “في كل مرة أخرج فيها لالتقاط الصور، لا أريد أن أوثق الحرب فقط أو المشكلات المرتبطة بها، بل أريد أيضًا أن أُظهر كيف يعيش اليمنيون حياتهم اليومية”.
وأوضح مولر أن السلطات المحلية في مأرب ساعدته في عمله منذ زيارته الأولى عام 2021، وإنها المحافظة الوحيدة التي تستقبله من سيئون وتؤمن وصوله إليها، موجهًا الشكر إلى المحافظ سلطان العرادة، وعلي الجبل، وعبدربه حليس، وجميع أفراد الفريق، قائلًا إنهم “رائعون” في تعاملهم معه.
ثقافة اليمن والحفاوة الشعبية
قال مولر إن الجمهور الفرنسي يفتقر إلى الصور والمعلومات التي تُظهر الحياة اليومية في اليمن، بما في ذلك ثقافته وعاداته ومدنه.
وأضاف أنه يخصص خلال زياراته إلى مأرب وقتًا لتصوير الأسواق ومراكز التسوق والحياة اليومية، بهدف إظهار أن الحياة مستمرة رغم الحرب.
وأكد أن اليمنيين كانوا مرحبين به ولطفاء معه في مختلف زياراته، مضيفًا: “بالنسبة لي، فإن اليمنيين هم أكثر شعوب الشرق الأوسط ترحيبًا بالضيوف وأكثرهم روحًا مرحة. هذا ما لمسته بنفسي”.
تجربة سقطرى
روى مولر تجربة مثيرة وموقفًا وصفه أنه “سيئ” شهده خلال زيارته الأولى إلى سقطرى، حيث أقام في الجزيرة مع صديقة له لتدريس الإنجليزية والفرنسية للأطفال في أحد المعاهد، وقال إن الإقامة كانت فرصة لإجراء تحقيق صحفي حول الوجود الإماراتي في الجزيرة وسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي عليها.
وأوضح أنه أجرى تحقيقاته بسرية، والتقى أشخاصًا من معارضي الوجود الإماراتي، بينهم مقربون من مكتب الشيخ عيسى بن ياقوت، مع حرصه على تجنب الاعتقال.
وقال إن شخصًا من مكتب "بن ياقوت" اصطحبه ليلًا إلى مطعم، قبل أن يدعوه لاحقًا إلى اجتماع لشيوخ قبائل الجزيرة في كهف يبعد نحو 50 كيلومترًا عن حديبو، لمناقشة سيطرة المجلس الانتقالي والإمارات على الجزيرة.
وأضاف أنه توجه إلى الاجتماع، حيث كان شيوخ القبائل يتوافدون ويرفعون العلم اليمني ويضعون صورة الرئيس آنذاك عبدربه منصور هادي، وأثناء إجرائه مقابلة مع أحد الشيوخ، شاهد جنودًا مسلحين يتجهون نحو الكهف، ثم قال إنهم بدأوا بضرب المشاركين وإنزال العلم اليمني.
وحينها، قال إنه تمكن من الهرب والاختباء ثم النزول من الجبل دون أن يكتشفه الجنود، مشيرًا إلى أنه رأى أثناء مغادرته مزيدًا من السيارات المحملة بالجنود متجهة إلى المكان.
وبحسب مولر، فقد أظهرت الحادثة “كيف كان المجلس الانتقالي الجنوبي في تلك الفترة في سقطرى يتعامل بعنف مع أي شخص ينتقده أو يعارضه، وكيف أنه لم يكن يتسامح مع حرية التعبير والرأي”.
شعور بالإحباط
ورغم إشادته بالتجربة عمومًا، إلا أن مولر عبر عن إحباطه أحيانًا بسبب تأخر التصاريح التي تحول دون وصوله إلى بعض المناطق وتغطية المزيد من القصص، لكنه قال إنه يتفهم انشغال المسؤولين وحرصهم على سلامته.
وأضاف: “في كل مرة آتي فيها إلى هنا، يكون هدفي أن أنجز أكبر عدد ممكن من القصص الصحفية”.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news