الملف السري يتضمن معلومات منسوبة إلى مصادر استخباراتية متعددة حول الطريقة التي نظرت بها أجهزة الاستخبارات السوفياتية سابقاً والروسية لاحقاً إلى شخصيات سياسية بريطانية بارزة على مدى نحو أربعة عقود.
حشد نت- تقرير:
أعاد تسريب ملف استخباراتي أعده ضابط سابق في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6) إشعال الجدل في بريطانيا بشأن حجم محاولات روسيا مراقبة النخبة السياسية البريطانية وتقييم فرص التأثير عليها، في وقت تؤكد فيه الوثيقة نفسها أنها لا تتضمن أدلة على تجسس أو تعاون مباشر لأي من الشخصيات الواردة فيها مع موسكو.
وبحسب الصحيفة، فإن الوثيقة تزعم أن أجهزة الاستخبارات الروسية سعت إلى بناء قاعدة معلومات واسعة عن سياسيين بريطانيين، من خلال تقييم شخصياتهم ونقاط القوة والضعف لديهم، ومدى إمكانية استمالتهم أو التأثير عليهم مستقبلاً، في إطار فهم دوائر صنع القرار داخل المملكة المتحدة.
إلا أن تلغراف أشارت إلى أن أشخاصاً مطلعين على الملف أبدوا تحفظات بشأن موثوقية بعض المصادر التي استند إليها، مؤكدة أن الوثيقة لا تتهم أياً من الشخصيات المذكورة بالعمل لصالح روسيا أو تسريب معلومات إليها، وإنما تعكس، وفقاً لمزاعمها، تقييمات استخباراتية روسية لهذه الشخصيات.
انتقاد سياسات الكرملين
ويبرز في مقدمة الأسماء الواردة في الملف السياسي المخضرم بيتر ماندلسون، الذي شغل مناصب وزارية بارزة في حكومتي توني بلير وغوردون براون.
وتقول الوثيقة إنه كان يُنظر إليه داخل الاستخبارات الروسية باعتباره شخصية ذات أهمية خاصة لفهم المشهد السياسي البريطاني، لكنها لا تقدم أي دليل على تورطه في أنشطة تجسس أو تعاون مع موسكو.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مقربة من ماندلسون نفيها القاطع لهذه المزاعم، مؤكدة أنه لم يقدم أي معلومات لروسيا، وأن مواقفه السياسية العلنية اتسمت بانتقاد سياسات الكرملين.
كما تزعم الوثيقة أن أجهزة الاستخبارات الروسية احتفظت بملف عن علاقة ماندلسون برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، معتبرة أن تلك العلاقة ربما كانت تمثل نقطة يمكن استغلالها للضغط عليه، دون أن تقدم دليلاً على حدوث ذلك.
وأثار نشر هذه المزاعم تساؤلات بشأن ما إذا كانت السلطات البريطانية قد اطلعت على تلك المعلومات قبل تعيين ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة عام 2025، وهو ما امتنعت الحكومة البريطانية عن التعليق عليه.
ولا يقتصر الملف على ماندلسون، إذ يتناول عدداً من أبرز الشخصيات السياسية البريطانية من مختلف الاتجاهات الحزبية.
فبحسب تلغراف، تشير الوثيقة إلى أن الاستخبارات السوفياتية فتحت ملفاً عن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون منذ فترة دراسته في جامعة أكسفورد، بعد اعتباره شخصية مرشحة لتولي أدوار سياسية مؤثرة مستقبلاً.
اختراق روسي للنخبة البريطانية
وتنسب الوثيقة إلى أجهزة الاستخبارات الروسية وصف جونسون بأنه يتمتع بذكاء وحضور سياسي، لكنه شخصية يصعب الوثوق بها وتتسم بالتقلب، ما جعلها تستبعد إمكانية بناء علاقة استخباراتية مستقرة معه.
وسخر جونسون من هذه الادعاءات، قائلاً إنه يصعب عليه تصديق أن جهاز الاستخبارات السوفياتية كان يخصص ملفات لطلاب جامعة أكسفورد في ثمانينيات القرن الماضي، مضيفاً أن ذلك قد يفسر، على حد تعبيره، خسارة الاتحاد السوفياتي للحرب الباردة.
كما يتناول الملف دومينيك كامينغز، المستشار السابق لجونسون، الذي أمضى سنوات في روسيا خلال تسعينيات القرن الماضي، إذ يزعم أن الاستخبارات الروسية راقبت نشاطه لكنها تعاملت معه بحذر لاعتقادها باحتمال ارتباطه بالاستخبارات البريطانية، وهو ما نفاه كامينغز في تصريحات سابقة.
وتشير الوثيقة أيضاً إلى زعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة" نايجل فاراج، قائلة إن المؤسسات الأمنية الروسية انقسمت بشأن جدوى الاستثمار السياسي فيه، قبل أن يتراجع الاهتمام به لاحقاً قبيل استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
أما زعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربن، فتقول الوثيقة إن بعض مواقفه بشأن حلف شمال الأطلسي وسوريا وقضية تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال كانت تتقاطع مع الرواية الروسية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه عدم وجود أي مؤشر على اتصالات مباشرة بينه وبين أجهزة الاستخبارات الروسية أو عمله لحسابها.
وتضيف الصحيفة أن الملف يتناول أيضاً عدداً من أعضاء مجلس اللوردات ورجال الأعمال، ويشير إلى أن بعض دوائر النخبة السياسية والاقتصادية قد تكون أكثر عرضة لمحاولات النفوذ الخارجي، فيما رفض عدد من الأشخاص الذين وردت أسماؤهم هذه المزاعم، ووصفوها بأنها تفتقر إلى أي أساس.
ويكتسب الملف حساسية إضافية بسبب شخصية معدّه، كريستوفر ستيل، الذي اشتهر بإعداده الملف المثير للجدل حول العلاقات المزعومة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وروسيا خلال انتخابات عام 2016، وهو الملف الذي تعرض لانتقادات واسعة بعدما خلصت تحقيقات أمريكية لاحقة إلى عدم التحقق من عدد من أبرز ادعاءاته.
وترى تلغراف أن أهمية "بروجيكت فيش" لا تكمن في إثبات وقوع اختراق روسي للنخبة السياسية البريطانية، بل في إظهار الكيفية التي يُعتقد أن أجهزة الاستخبارات الروسية اعتمدتها في جمع المعلومات عن الشخصيات العامة، وإعداد تقييمات طويلة الأمد بشأن مدى إمكانية التأثير عليها أو الاستفادة منها.
ومع استمرار الجدل بشأن دقة المعلومات الواردة في الوثيقة، أعاد نشرها النقاش داخل بريطانيا حول حجم النفوذ الأجنبي، ومدى استعداد المؤسسات الأمنية للتعامل مع التحديات الاستخباراتية المتصاعدة في ظل استمرار التوتر بين روسيا والغرب.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news