أعد التقرير لـ”يمن ديلي نيوز” إسحاق الحميري:
خلال أقل من شهر استقبلت محافظة مأرب (شمال شرقي اليمن) ثلاث شخصيات دبلوماسية أوروبية رفيعة، تمثلت في سفير ألمانيا لدى اليمن، ثم سفير الاتحاد الأوروبي وسفيرة مملكة هولندا، في تحرك متقارب يراه مراقبون أنه الأول من نوعه.
الزيارات لم تقتصر على اللقاءات الرسمية والعودة، بل استمرت لأيام ضمن جدول زيارات ميدانية لعدد من المشاريع التنموية والإنسانية، ومخيمات النازحين، ومؤسسات خدمية، إلى جانب لقاءات مع عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب سلطان العرادة.
متخصصون في الشأن السياسي تحدثوا لـ”يمن ديلي نيوز” حول قراءتهم لهذه الزيارات الأوروبية لمأرب، وما الذي ستعكسه على مأرب واليمن، وكيف ستنعكس على المستوى الإقليمي والدولي؟
تحول الجغرافيا السياسية
يرى المحلل والخبير السياسي عبدالواسع الفاتكي، أن زيارات سفير ألمانيا وسفير الاتحاد الأوروبي وسفيرة هولندا إلى مأرب تمثل تحولًا بارزًا في الجغرافيا السياسية للبعثات الدبلوماسية الأوروبية.
وقال لـ”يمن ديلي نيوز”: إن تلك السفارات تعمل عادة من العاصمة السعودية الرياض، وإن انتقال السفراء مباشرة إلى مأرب يعكس توجهًا أوروبيًا جديدًا نحو الانخراط المباشر مع المركز الفعلي للحكومة الشرعية.
وأضاف: هذه الخطوة تتيح للمجتمع الدولي الاطلاع عن كثب على الواقع الميداني، وتؤكد التناسق في الاهتمام الأوروبي بتقييم الأوضاع السياسية والاقتصادية والإنسانية مباشرة من الميدان، لا سيما من خلال لقاءاتهم المستمرة مع عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء سلطان العرادة.
وأوضح أن التركيز الأوروبي على مأرب يمثل مدخلًا أساسيًا ومباشرًا للعمل التنموي والإنساني في المحافظة، لافتًا إلى أن جولات السفير الألماني التي شملت مشاريع نزع الألغام التي ينفذها مشروع “مسام”، ومخيمات النازحين، ومستشفى مأرب العام، وقناة سبأ الفضائية، تصب في هذا الاتجاه.
وأشار إلى أن تصريح السفير الألماني بأن مأرب تمثل نموذجًا يدل على وجود اهتمام أوروبي خاص بالمحافظة باعتبارها حاضنة حقيقية للدولة ومؤسساتها، وليست مجرد جبهة مقاومة عسكرية ضد مليشيا الحوثي، معتبرًا أن أوروبا بدأت تنظر إلى مأرب باعتبارها شريكًا تنمويًا مستدامًا.
دعم سياسي ومعنوي
وقال الفاتكي إن الزيارات تمنح مأرب دعمًا سياسيًا ومعنويًا كبيرًا، وتعزز مكانتها كركيزة أساسية تمتلك ثقلًا استراتيجيًا وعسكريًا واقتصاديًا في المعادلة اليمنية.
وأضاف: التركيز الأوروبي على ملفات النازحين والألغام سيفتح الباب خلال الفترة القريبة المقبلة أمام تدفق الدعم التمويلي الأوروبي لمشاريع التنمية بشكل مباشر بالتنسيق مع السلطة المحلية، بما ينعكس إيجابًا على البنية التحتية والخدمات في المحافظة.
على المستوى الوطني
واستعرض الفاتكي تأثير الزيارة على المستوى الوطني قائلاً: مأرب تقدم نموذجًا ناجحًا لفاعلية مؤسسات الدولة والإدارة المحلية المرنة والتعايش السلمي، في ظل احتضانها ملايين النازحين.
وأردف: هذا النجاح قد يفتح مستقبلًا باب النقاش حول اللامركزية وإعادة بناء الدولة اليمنية وفق نظام الأقاليم المقر في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
وأضاف: تقوية العلاقات الدولية مع قيادة مأرب تبعث برسالة واضحة مفادها أن أي حلول أو تسويات سياسية قادمة في اليمن لن تتجاوز المكونات الأساسية والشرعية الفاعلة على الأرض.
إقليميًا ودوليًا
وعلى المستوى الدولي، قال الفاتكي إن الزيارة تكشف رغبة الاتحاد الأوروبي، وعبر دول مركزية كبرى مثل ألمانيا بثقلها السياسي والاقتصادي، في استعادة زمام المبادرة في الملف اليمني والتركيز على ملفات التنمية وحقوق الإنسان والنازحين، كما تعزز الحضور الأوروبي المرجعيات الثلاث وتدعم قرارات مجلس الأمن التي تؤكد دعم السلطة الشرعية ممثلًا وحيدًا وشرعيًا لليمن.
وعلى المستوى الإقليمي، يرى الفاتكي أن هذه الزيارات تفتح مدخلًا لإحداث توازن استراتيجي مهم، إذ تسعى المقاربة الأوروبية إلى عدم اختزال الملف اليمني في صراعات إقليمية ضيقة، مشيرًا إلى وجود إدراك دولي متزايد بأن استقرار مأرب يعني استقرار ما تبقى من مناطق الشرعية.
وتابع: وهو أمر حيوي لحماية المصالح الإقليمية والدولية ومواجهة التمدد الحوثي الذي بات يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر، مؤكدًا أن دعم وتثبيت مؤسسات الدولة الشرعية يمثل جدار الصد الحقيقي لتأمين المنطقة.
اعتراف دولي
من جانبه، رأى المدير التنفيذي لمركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية، الدكتور ذياب الدباء، أن الزيارات الأوروبية إلى محافظة مأرب تمثل انعكاسًا طبيعيًا لأهمية المحافظة واعترافًا دوليًا بالدور الذي تلعبه في سبيل استعادة الدولة وبناء المؤسسات الشرعية الضامنة للحقوق والحريات والمصالح الدولية.
وأضاف الدباء لـ”يمن ديلي نيوز”: مأرب تمثل رأس الحربة في معركة التحرير ومنطلق استعادة الدولة ومؤسساتها، مشيرًا إلى أنها أثبتت مرونة وفعالية ونضجًا سياسيًا، إلى جانب امتلاكها قيادة واعية وقوية تمكنت من كسب ثقة الكتلة الدبلوماسية الأوروبية.
وتابع: المجتمع الدولي يعد لاعبًا رئيسيًا في الملف اليمني، والتغيير الإيجابي في طبيعة تعامل الدبلوماسية الغربية مع الأزمة اليمنية يشير إلى بدء مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق الاستراتيجي بين قيادة الشرعية والقوى الدولية، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا أن ذلك سينعكس إيجابًا على القضية اليمنية ويعزز الغطاء السياسي والإنساني والدبلوماسي للشرعية.
وأشار إلى أن مأرب، بوصفها نقطة صراع ملتهبة وجغرافيا مقاومة مستقرة وملتزمة بالمسار الدستوري والقانوني للدولة، أصبحت حاضرة بقوة على طاولة القوى الإقليمية والدولية.
وأعرب الدباء عن أمله في أن يكون للقوى السياسية والاجتماعية في المحافظة صوت وحضور في أي ترتيبات سياسية أو متغيرات عسكرية قادمة، بما يضمن الشراكة وتكامل الجهود.
وفي المحصلة، تخلص قراءة المختصين لزيارة مأرب إلى أنها تعكس تحولًا لافتًا في نمط التعاطي الدولي مع المحافظة، التي باتت تحظى بحضور متزايد في أجندة الفاعلين الدوليين، سواء من بوابة العمل الإنساني والتنموي أو من زاوية التطورات السياسية والأمنية.
كما يرون أن هذا الحراك يمثل اعترافًا بالدور الذي تؤديه مأرب في المشهد اليمني، فإن مدى انعكاسه على مستوى الدعم السياسي والتنموي، أو على مسار التسوية في اليمن، سيظل مرهونًا بالخطوات العملية التي ستتبع هذه الزيارات خلال المرحلة المقبلة.
مرتبط
الوسوم
محافظة مأرب
نسخ الرابط
تم نسخ الرابط
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news