في تطور يكشف حجم الأزمة التي تعيشها مؤسسات الدولة اليمنية، تحولت قضية تغيير رئيس مصلحة خفر السواحل اللواء خالد القملي من قرار إداري يفترض أن يُنفذ وفق الأطر القانونية إلى أزمة سياسية وأمنية مفتوحة، تثير أسئلة كبيرة حول الجهات التي تقف خلف رفض تنفيذ القرار، وحول قدرة الدولة على فرض سلطتها داخل أجهزتها الأمنية والسيادية.
فما جرى لم يعد مجرد خلاف وظيفي بين مسؤول وآخر، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمفهوم الدولة نفسها. إذ كيف يمكن لمؤسسة أمنية تتبع الدولة أن ترفض تنفيذ قرار صادر بشأن قيادتها؟ وكيف يمكن أن يستمر مسؤول في موقعه رغم صدور قرار بتغييره دون أن توجد جهة قادرة على حسم الموقف بصورة واضحة ونهائية؟
الأحداث التي شهدتها مدينة التواهي وما رافقها من توتر أمني واستنفار مسلح كشفت أن القضية أكبر بكثير من مجرد إجراء إداري. فالمشهد أوحى بوجود إرادة سياسية وأمنية تسعى إلى فرض أمر واقع جديد يقوم على حماية الأشخاص والمصالح والنفوذ بدلاً من احترام القرارات الرسمية والتسلسل المؤسسي.
وخلال السنوات الماضية تمكن خالد القملي من بناء شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ داخل المؤسسة وخارجها، مستفيداً من موقع مصلحة خفر السواحل باعتبارها واحدة من أكثر المؤسسات ارتباطاً بالملفات الحساسة المتعلقة بالموانئ والسواحل والملاحة الدولية ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية.
هذا النفوذ لم يكن محصوراً داخل المصلحة فقط، بل امتد إلى دوائر سياسية وعسكرية مختلفة وجعل من أي محاولة لإجراء تغيير في قيادة المصلحة قضية تتجاوز الإطار الإداري المعتاد. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تواجه عملية التغيير حالة من الرفض والتعطيل بمجرد صدورها.
وتتجه أصابع الاتهام إلى أطراف إقليمية ومحلية ترى في بقاء القملي ضمانة لاستمرار نفوذها داخل هذا القطاع الحيوي. ويأتي في مقدمة هذه الأطراف المجلس الانتقالي الذي ينظر إلى العديد من المؤسسات الأمنية والعسكرية في المناطق الخاضعة لنفوذه باعتبارها جزءاً من منظومة التأثير السياسي والعسكري التي بناها خلال السنوات الماضية.
كما يبرز الدور الإماراتي بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بهذه القضية، في ظل الدعم الذي قدمته أبوظبي لقطاعات أمنية وعسكرية مختلفة خلال الأعوام الماضية، وما نتج عن ذلك من شبكات نفوذ وعلاقات جعلت بعض المؤسسات أقرب إلى مراكز قوة مستقلة منها إلى أجهزة خاضعة بالكامل للدولة.
ولذلك يرى كثير من المتابعين أن رفض تنفيذ قرار التغيير لا يتعلق بشخص خالد القملي بقدر ما يتعلق بالخشية من فقدان النفوذ والسيطرة على مؤسسة استراتيجية تتحكم بجزء مهم من الأمن البحري اليمني.
الأخطر من ذلك أن استمرار الأزمة يبعث برسالة سلبية إلى بقية مؤسسات الدولة مفادها أن القرار الرسمي لم يعد كافياً وحده للتنفيذ، وأن النفوذ السياسي والعسكري أصبح عاملاً حاسماً في تحديد مصير القرارات الحكومية. وهي سابقة خطيرة تهدد أسس العمل المؤسسي وتفتح الباب أمام مزيد من التمرد على القرارات الإدارية مستقبلاً.
كما أن الإصرار على إبقاء الوضع معلقاً دون حسم يضر بمصلحة خفر السواحل نفسها، ويؤثر على برامجها التشغيلية والتدريبية، ويضعف قدرتها على مواجهة التحديات المتزايدة في السواحل اليمنية التي تشهد نشاطاً متنامياً لشبكات التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى مؤسسات قوية وموحدة تعمل تحت سلطة الدولة، تبدو قضية القملي مثالاً صارخاً على حجم الاختلال القائم، حيث تتداخل المصالح السياسية بالنفوذ الأمني، وتصبح المؤسسات السيادية ساحة صراع بين مراكز القوة المختلفة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في بقاء مسؤول أو مغادرته لمنصبه، بل في تكريس مفهوم أن بعض المواقع محصنة ضد قرارات الدولة، وأن بعض المسؤولين يمكن أن يستمروا في مواقعهم بفضل الدعم والنفوذ لا بفضل القانون والإجراءات الرسمية.
ولهذا فإن حسم هذه القضية لم يعد مسألة إدارية تخص مصلحة خفر السواحل فحسب، بل أصبح استحقاقاً وطنياً يتعلق بمستقبل الدولة وهيبتها. فإما أن تكون المؤسسات خاضعة للقانون والقرارات الرسمية، أو أن تتحول إلى جزر نفوذ مستقلة تدار بمنطق القوة والولاءات السياسية.
وفي نهاية المطاف، فإن استمرار القملي في منصبه رغم قرار التغيير لا يعكس قوة المؤسسة بقدر ما يكشف حجم الأزمة التي تواجهها الدولة في فرض سلطتها، ويؤكد أن المعركة الحقيقية لم تعد حول شخص أو منصب، بل حول من يمتلك القرار ومن يفرض إرادته على مؤسسات الدولة اليمنية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news