آ
في العاصمة اليمنيةآ المغتصبة صنعاء، لم تعد الشهادة الجامعية جسراً يعبر بحامله نحو حياة كريمة، بل تحولت إلى مجرد ورقة تُزين الرفوف، أو تذكرة دخول إلى "غرفة انتظار" مفتوحة.
فبينما تواصل الجامعات الحكومية والأهلية في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي تخريج آلاف الطلاب سنوياً، يصطدم هؤلاء بجدار اقتصادي منيع؛ ففي وقت يتقلص فيه النشاط الاقتصادي، واصل الاقتصاد اليمني انكماشه بنسبة 1.5% خلال العام 2025 وفق تقارير البنك الدوليآ ، مما يجعل استيعاب هذا الفيض من الخريجين أمراً مستحيلاً.
وتتسع الفجوة يوماً بعد يوم بين مخرجات التعليم وسوق عمل مشلول، دفع بالكثيرين إلى الرضوخ لوظائف يومية هامشية لا تمت بصلة لتخصصاتهم، أو دفعهم نحو الهجرة بحثاً عن بارقة أمل.
"ثلاث سنوات في طابور الانتظار"
يروي محمود (27 عاماً)، خريج الهندسة المعمارية، قصة إحباطه قائلاً: "أمضيت ثلاث سنوات أطرق أبواب مؤسسات حكومية وخاصة في صنعاء، دون جدوى". ويضيف لـ"الشرق الأوسط" أن فرص التوظيف في المؤسسات الخاضعة لسيطرة الجماعة لم تعد تُمنح بناءً على الكفاءة، بل خضعت لمعايير محسوبية وتبعات سياسية أغلقت الأبواب أمام الكفاءات الشابة.
ويتابع بحسرة: "القطاع العمراني والاستثماري الذي كان يستوعب أمثالي مات تقريباً، وأصبح الحصول على وظيفة مستقرة حلماً بعيد المنال".
أما سليمان (25 عاماً)، خريج معهد فني، فقد أرغمته البطالة على ترك تخصصه والعمل في مهن يومية متفرقة.
"درست سنوات لأكتسب مهنة تضمن لي الاستقرار، لكن الواقع أجبرني على القبول بأي عمل يؤمن لي قوت يومي"، يوضح سليمان، مشيراً إلى أن حالة "الانتظار المستمر" باتت السمة الغالبة على جيله.
وتشاركه نفس المعاناة خريجة محاسبة، اضطرت لتأجيل مشاريعها الشخصية والحياة العملية، بعد أن أدركت أن سنوات دراستها لم تعد تملك أي قيمة سوقية في ظل الانكماش الاقتصادي.
أرقام تنذر بكارثة ديمغرافية
وتعكس البيانات الدولية حجم المأساة؛ فوفقاً لأحدث المؤشرات، تجاوز معدل بطالة الشباب في اليمن (الفئة العمرية 15-24) نسبة 32.5% في 2025آ آ ، بينما بلغ معدل البطالة الإجمالي 17.32%آ . وتشير تقديرات أممية إلى أن الشباب يشكلون ثلث سكان اليمن، مما يحول هذه النسب إلى قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي.
تداعيات تتجاوز الجيب.. إلى النفس والمجتمع
لا يقتصر تأثير هذه البطالة المزمنة على العجز المادي فحسب، بل يمتد ليحدث شروخاً نفسية واجتماعية عميقة.
ففترات الانتظار الطويلة وفقدان الاستقلال المالي ولّدت لدى الشباب موجة من الإحباط والاكتئاب والعزلة، وفقاً لمختصين اجتماعيين.
ومن أبرز تجليات هذا الانكسار الاجتماعي، ارتفاع معدلات تأخر الزواج؛ ففي ظل انهيار الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، بات تأسيس أسرة حلماً مؤجلاً.
وفي المقابل، يتخذ آخرون قراراً أصعب: الهجرة.
ومع تزايد رغبة الشباب في النزوح الداخلي أو الخارجي، تواجه البلاد "نزيف كفاءات" مدمراً، يحرمها من العقول التي ستحتاجها يوماً ما في رحلة إعادة الإعمار الشاقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news