العودة الى سوق البزّ (الاقمشة) النسائية، والذي اشتهر بهذا الاسم كون باعة البز ينتشرون فيه، وتوجد أشهر المحلات، حيث تباع فيه كثير من أشكال البز ولها أشكالها وخاماتها، ولكل شكل أو خامة فئة معينة من المجتمع تلبسها، فمنها الويلات؛ أو ما اشتهرت به (البوالات)، وهذا اسم ماركة معروفة تنتج أجود أنواع الويلات اليابانية، والويلات قماشها خفيف جداً يتناسب مع أجواء عدن الحارة والمدن الساحلية الحارة، مثل المكلا وجيبوتي ومقديشو وغيرها من المدن الساحلية الأخرى، حتى انه انتشر في غير المدن الساحلية، ويفصل بطريقة سهلة جداً فقط تثنى قطعة القماش ويتم عمل فتحة في الوسط لإدخال الراس منها، ومن ثم خياطته وترك أيضا فتحتين في الأعلى لإدخال الايدي منها، ويسمى (الدّرع)، وكذلك أنواع أخرى منها الشيفون والكرمبلين والمخمل والكرستان، وأشكال كثيرة أخرى من الأقمشة، مع العلم أن أهل عدن يتفننون في تسمية الاقمشة، ولكل موديل جديد ينزل كانت لهم بصمة عليه، أتذكر أيام مسلسل البرادعي (نزل نوع من القماش وسمي (البرادعي)، وآخر عند محاكمة (ما سميت بعصابة التخريب في مطلع الثمانينات وكان في شخص (مشاغب) اثناء المحاكمة يسمى دهمس) تم إعدامه الله يرحمه، اطلقوا على نوع آخر دهمس، وكذلك الخط السريع نوع سمي بهذا الاسم كونا توجد به خطوط ذهبية ، وغيرها من التسميات والتي ترتبط بحدث ما حصل.
وفي سوق البز يقابلك عند مدخله من جهة السوق الطويل في زاويته، مشرب (النعمي) والذي يستقبلك بحفاوة محب طال انتظاره، حيث يقدم لك العصائر الباردة والملونة بلون الورد التي يهديها المحب لمن يحبه، فمنها الوردي والبرتقالي والأصفر، وهذا المنظر يفتح نفسك ويذهب عنك العطش، خاصة في أجواء صيف عدن الحارقة ورطوبتها العالية، فترى حبيبات الندى تتجمع على تلك البرادات الشفافة، فتجعل لهفتك تتضاعف الى شربة قلص باردة لإطفاء لهيبك الجائر، وليس فقط إطفاء اللهيب بل هناك لذة طعم لتلك المشروبات والتي تستمتع بها، ما يجعلك تردف قلصا بعد أخرى، واذا ارتويت من العطش فلن ترتوي من مذاق ولذة تلك العصائر.
وعندما تتوغل في سوق البز قليلا، تجد محل العم سلطان رحمه الله لبيع الأثاث، ويليه محل العم احمد حسين بانافع رحمه الله لبيع اسفنج، حيث كان اشهر محل لبيع الأسفنج في كريتر، من فرشان بمقاساتها ومخاد وغيرها؛ والتي كانت تصنع في مصنع الاسفنج بالدرين، ومع ذكرنا لمصنع الاسفنج بالدرين التابع للمستثمر الاحمدي، والذي أتذكر ان في مخالفة ارتكبها، وهي تخزين القات في الأيام الممنوعة، حيث كان يمنع تخزين القات إلا أيام الخميس والجمعة، ومن أراد التخزين في باقي الأيام، ما عليه إلا شد الرحال الى (عقّان) في محافظة لحج، حيث يسمح في المناطق المنتجة للقات، بالتخزين فيها طوال أيام الأسبوع، وتم تغريمه فقط فلسا، واعتقد ان في هذه القضية نوع من تصفية الحساب بينه وبين من أبلغ عنه، والمصنع كان من أنجح المصانع لحاجة المجتمع للإسفنج بدلا من استخدام الفرشان القطنية، وقد كان اخوي محمد رحمه الله يتعامل مع مصنع الاسفنج في فترة من الفترات، وكنا نذهب لجلبها إلى المحل في كريتر، وكم كانت معاناتنا مع تلك الرحلة الشاقة، حيث اننا نركب في الباص او التاكسي وننزل في الفرزة امام شرطة الشيخ عثمان والمطافي، ومن ثم ندقها " كعابي " إلى المصنع الواقع في الدرين، بين الأكوام الترابية المنتشرة في تلك المنطقة، والتي لا تدخلها السيارات إلا السيارات التي لها غرض، وعندما تتجهز بضاعتنا من الأسفنج نخرج إلى الشارع الرئيسي للبحث عن " ونيت ' ، ولكننا كثيرا من الأحيان لا نجدها، فنضطر إلى تجميلها على جاري جمل إلى ان نصل إلى أقرب سيارة في الشيخ عثمان ، ومن ثم نحملها فيها إلى كريتر، وعندما ندخل إلى المصنع في صالة التقطيع كنا نستغرب من ذلك السلك الذي يقوم بقطع الاسفنج حسب المقاسات المطلوبة، حيث يبدأ بقطع القشرة العلوية الجافة، والتي كانت تباع فرشان لبعض الناس الفقراء، ومن ثم تقطع بقية " البالة " بحسب الحاجة، وهذا السلك اتضح انها سلك حراري.
وللعودة إلى محل العم احمد حيث اللافت للنظر ان طواقم السفن الهندية التي ترسو في ميناء عدن، يأتون إلى محله لشراء الفرشان الأسفنجية ، وهذه ظاهرة مستمرة لجميع السفن الهندية، وتراهم بعد شرائها محملين بها بعد لفها وربطها وهم مارين في السوق الطويل، ما يدل على رخصها في عدن في تلك الفترة.
وبعد العم احمد يأتي على يسارك مبنى بشكل (سقيفة)، في مجموعة من الخياطين الصومال، يخيطون كل شيء ومن لديه قطعة قماش وغيرها تجده يذهب إليهم لأن أسعارهم رخيصة عن غيرهم، يليهم على اليمين في ركن الزغط محل (بُن اليمن) يعمل فيه زميل الدراسة والكرة احمد العنتري، ولي قصة مع الأخ احمد حفظه الله؛ حيث كان يتميز بجسم ما شاء الله قوي البنية وقامته قصيرة، مقارنة بجسمي الطويل والنحيل، كنا صباح الجمعة نبكر ونروح أما إلى إعدادية شمسان أو الهوكي في الرزميت، ونلعب " كبه " ، حيث يتجمع الكثير من الشباب، من يسبق منهم يلعب في إعدادية شمسان، واذا كان العدد كبير يذهب الآخرون إلى ملعب الهوكي، ونقتسم فرق لكل فريقين نصف ساعة للعب، ومن ينهزم يطلع، وكنت انا في فريق والاخ احمد العنتري في فريق اخر، وكان جناح وانا ظهير، المهم عملت نفسي ندّ للأخ احمد، وفي كرة كانت مشتركة بيني وبيه وقمت (ترستها) وضعت قدمي امام قدمه، ابغى اسقطه ارضا، ووجدت نفسي انا من الأرض اقرب، بعد ان تدحرجت عدة درجات، كمن أصيب برصاصة غادرة اخترقت احشائه وانا اصيح من هول الإصابة، والتي اقعدتني في البيت دون حركة لمدة عشرون يوما، حيث اصبت بالتواء في مفصل الركبة، بينما حبيبنا كان ما شاء الله راسخ رسوخ جبال عنتر في يافع، وفي نفس الزغط نحط الرحال بعد مشقة المشي وشدة العطش، لنشرب لنا قلص ليم من عند انيس، ونبرد على قلوبنا؛ وللعلم ان هذا المحل يعتبر في جودة الليم الثاني بعد الذي في زاوية السوق الطويل، ويوجد بالزغط مهندس للساعات، وايضاً بعض الخرازين للأحذية،
ولنتجه الى السيلة والتي سميت بهذا الاسم لمرور السيل القادم من الصهاريج عبرها، مع العلم ان سوق البز هو مجرى وادي تم تحويله الى شارع، وهذا ما اظهرته كثير من الصور القديمة لكريتر، واتذكر في مطلع السبعينات عندما هطلت امطار غزيرة على كريتر، سالت على إثرها الصهاريج، ومن كبر تلك السيول قشعت الأسفلت وعملت أخاديد كبيرة في سوق البز، ودحرجت السيارات، ما يؤكد ان سوق البز مجرى وادي امتداد للصهاريج.
المهم توجد في السيلة من الخلف برحة تطل عليها محلات الجملة للملابس النسائية الداخلية والبناتي، ومحلات الملابس النسائية الأخرى، والبنات، وفي محلات جوار مصلحة الضرائب كانت تعرض فساتين البنات على ما يسمى (المانيكانات) أي مجسم لبنت بكل تفاصيل الوجه والراس والايدي والارجل والشعر والعيون، حتى يخيل اليك انها حقيقة، وعليها أجمل الملابس من فستان وأحذية وشراب وشنطة اليد، أيضا صيدلية (التلال الشهيرة) وكذلك خلف السيلة عيادة دار الشفاء، والتي كانت خاصة، وبعد الاستقلال تحولت إلى وزارة الصحة بعد تأميمها، وقد كانت تخدم الكثير في كريتر، لأن العيادات قليلة ولا تفي بحاجة عدد سكانها.
وترى في السيلة الأطفال من سكان العمائر يلعبون في تلك البرحة بشكل ملفت.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news