عطش الرمال.. أزمة مياه اليمن من ندرة طبيعية إلى تحدٍ وجودي يهدد الملايين

الميثاق نيوز             عدد المشاهدات : 17 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
عطش الرمال.. أزمة مياه اليمن من ندرة طبيعية إلى تحدٍ وجودي  يهدد الملايين

آ 

الميثاق نيوز، تقرير خاص-

آ خلف الأبواب الموصدة في المدن اليمنية المنهكة وفي عمق القرى الجبلية المعزولة، يدور صراع صامت لا يقل ضراوة عن دوي المدافع؛ صراع من أجل قطرة ماء نظيفة.

في بلد يُصنف كواحد من أكثر دول العالم ندرة في المياه، لم تعد الأزمة مجرد نقص في الموارد، بل تحولت إلى "تهديد وجودي" يطحن حياة الملايين يومياً.

تؤكد التقارير الميدانية والبيانات الصادرة عن مؤسسات بحثية رصينة أن الواقع المائي في اليمن تجاوز مرحلة التحذير إلى الانهيار الوشيك.

حالياً، يفتقر 15.4 مليون يمني إلى الوصول الكافي إلى المياه النظيفة، بينما يواجه 17.4 مليون شخص حرمانًا تامًا من مرافق الصرف الصحي والنظافة الملائمة.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي انعكاس لمأساة إنسانية تزيد بشكل حاد من خطر تفشي الأمراض المنقولة بالمياه في بيئة صحية متهالكة أساساً.

المفارقة المأساوية: 8% فقط من حد الأمان

تتجلى قسوة المشهد عند النظر إلى نصيب الفرد من المياه المتجددة. في الوقت الذي يحدد فيه المجتمع الدولي "خط الفقر المائي" بـ 1,000 متر مكعب للفرد سنوياً، لا يوفر الواقع اليمني سوى 80 متراً مكعباً فقط للفرد، أي ما يعادل 8% فقط من الحد الأدنى المقبول عالمياً.

هذا العجز الصارخ ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تضافر ثلاثة عوامل قاتلة؛ الطبيعة الجافة للبلاد، النمو السكاني المتسارع، وسنوات من سوء الإدارة المزمن للموارد المائية.

وبينما كانت الممارسات التقليدية في اليمن تحافظ على توازن مستدام حتى منتصف القرن الماضي، أدى التحول نحو الضخ العشوائي وغير المدروس في السبعينيات والثمانينيات إلى استنزاف سريع وغير مستدام للخزانات الجوفية، ما وضع مستقبل الأجيال القادمة على المحك.

الحرب.. معول الهدم للبنية التحتية

لم تكتفِ سنوات الصراع المسلح بتدمير النسيج الاجتماعي، بل وجهت ضربة قاصمة لما تبقى من بنية تحتية مائية. تشير البيانات إلى أن نحو 40% من أصول المؤسسات المحلية للمياه والصرف الصحي تضررت كلياً أو جزئياً منذ اندلاع الحرب.

هذا الدمار جعل إيصال المياه مهمة شبه مستحيلة في العديد من المناطق.

ومع انقطاع التيار الكهربائي المتكرر وأزمات الوقود الخانقة، توقفت محطات الضخ عن العمل، مما ترك المؤسسات الحكومية عاجزة عن تقديم أدنى مستويات الخدمة للسكان.

وفي غياب الدولة، اضطر المواطنون للجوء إلى حلول مريرة؛ فالفئات الأكثر هشاشة، لاسيما النازحين والفقراء، باتت تعتمد على مصادر مياه غير آمنة أو تضطر لإنفاق مبالغ طائلة للحصول على صهاريج المياه (الوايتات) التي لا تخضع لرقابة صحية.

"سلطة الماء": حين يتحول الحق إلى أداة للاحتكار

في بلدة "بروم ميفعة" الساحلية، تنحني امرأة يمنية فوق مجرى وادي ملوث لتجمع ما يكفي من المياه لسد رمق أطفالها.

لا تفعل ذلك لغياب التكنولوجيا، بل لأنها ببساطة لا تملك ثمن صهاريج المياه التي يحتكرها التجار.

هذه المشهدية هي تجسيد لما يصفه الخبراء بـ "الظلم المائي"؛ وهي أزمة تتجاوز ندرة الأمطار لتصل إلى صلب صراع القوى والنفوذ.

بينما يركز الخطاب الدولي غالباً على ندرة المياه كظاهرة طبيعية، يكشف الواقع عن حقيقة أكثر قتامة: العدالة المائية في اليمن مفقودة بفعل فاعل.

فالمسألة لا تتعلق فقط بـ "كم" تبقى من الماء، بل بـ "من" يملك الحق في الوصول إليه، ومن يملك السلطة للتحكم في مصادره.

تتجلى أزمة العدالة المائية في الفجوة العميقة بين الفئات الهشة والجهات النافذة.

فبينما يفتقر الملايين للمياه، تستفيد المصالح التجارية والجهات النافذة من ضعف تطبيق القوانين لاستنزاف الخزانات الجوفية عبر الحفر غير المنظم للآبار واحتكار المنابع الرئيسية.

هذا "الاحتكار المائي" خلق طبقة من "أمراء الماء" الذين يجنون الأرباح من معاناة الملايين، بينما يتحمل النازحون والنساء وصغار المزارعين أعباءً غير متكافئة.

مفارقة التصاريح وحصار تعز

في أروقة المؤسسات المائية، تبرز "مفارقة التصاريح"؛ فبينما يواجه الراغبون في اتباع الطرق القانونية بيروقراطية معقدة، تجري عمليات حفر واسعة وعشوائية من قبل نافذين دون أي رقابة.

والنتيجة هي عجز مائي سنوي مخيف؛ ففي وادي حضرموت وحده، يتم ضخ 400 مليون متر مكعب سنوياً، بينما لا تتجاوز التغذية الطبيعية 250 مليوناً، مما يعني أن اليمن يستهلك مستقبله حرفياً.

ولم يعد الماء مجرد مورد للحياة، بل تحول إلى "سلاح" سياسي وعسكري، كما هو الحال في مدينة تعز. الحصار المفروض على المدينة، إلى جانب تدمير البنية التحتية، رفع أسعار المياه إلى مستويات جنونية، مما أجبر العائلات على إنفاق معظم دخلها المحدود على مياه غير مضمونة صحياً، في انتهاك صارخ لمبادئ العدالة المائية.

التلوث والتمييز : الوجه الخفي للظلم

لا يتوقف الظلم المائي عند الحرمان من الكمية، بل يمتد إلى الجودة. في مناطق مثل "ساه" بمحافظة حضرموت، يعيش السكان كابوس التلوث الميكروبيولوجي والنفطي الناتج عن ممارسات الشركات وغياب الرقابة البيئية.

وتتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر لهذا التدهور؛ فهن المكلفات برحلة البحث الشاقة عن المياه، وهن أول من يدفع ثمن الأمراض المنقولة بالمياه التي تفتك بأسرهن.

رغم وجود أكثر من 53 منظمة مجتمع مدني تعمل في قطاع المياه، إلا أن دورها يظل "منفذاً" للمشاريع الطارئة أكثر من كونه "مؤثراً" في السياسات، مما يهمش أصوات المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار.

سباق مع الزمن

إن واقع أزمة المياه في اليمن لم يعد يحتمل الحلول الترقيعية. الأرقام تتحدث عن كارثة إنسانية وبيئية تتسع رقعتها كل يوم. ومع استمرار استنزاف المياه الجوفية بمعدلات تفوق التغذية الطبيعية بمراحل، يصبح التساؤل ليس "متى ستنتهي الأزمة؟"، بل "هل سيبقى ما يكفي من الماء لليمنيين في المستقبل القريب؟"

الحل يتطلب تحولاً جذرياً في منظومة الحوكمة، يتجاوز الحلول التقنية إلى إصلاحات هيكلية تضمن التوزيع العادل للموارد، وتوقف الهدر العشوائي، وتعيد الاعتبار للمياه كحق إنساني أصيل لا يقبل المساومة. وبدون تدخل منسق، سيظل العطش هو العنوان الأبرز لمأساة اليمن المستمرة.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

الفلكي الشوافي يتوقع أسبوعا ماطرا واتساع نطاق الأمطار في معظم مناطق اليمن

التغيير برس | 1296 قراءة 

اليمن: العليمي يرد على الحوثيين بـ4 رسائل حاسمة

يمن فيوتشر | 1201 قراءة 

أول رد للرئيس العليمي على تهديدات زعيم الحوثيين

الميثاق نيوز | 1107 قراءة 

صحيفة لبنانية تكشف تفاصيل المفاوضات في مسقط و العرض السعودي للحو ثيين

كريتر سكاي | 1046 قراءة 

أول دولة إسلامية كبيرة تلوح بمواجهة عسكرية ضد الحوثيين وتحذر إيران: "السعودية خط أحمر"

مأرب برس | 988 قراءة 

يحدث الآن : تحكيم قبلي في مطارح الريان بالجوف

كريتر سكاي | 981 قراءة 

أول دولة عربية تبدأ إستعدادات استئناف نشاط طيرانها إلى مطار صنعاء الدولي

شبكة اليمن الاخبارية | 940 قراءة 

يحدث الآن: بدء الإحتشاد بصنعاء(صورة)

كريتر سكاي | 834 قراءة 

وزير الإعلام يطالب زعيم الحوثيين بالإجابة عن سؤال واحد فقط؟

الميثاق نيوز | 802 قراءة 

وسط مخاوف من الهزيمة ... قيادي حوثي يدعو لإنهاء الحرب ومصالحة وطنية

يني يمن | 614 قراءة