مجتمع الرجال.. بقايا ذكريات مع سيرين الدنماركية

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 29 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
مجتمع الرجال.. بقايا ذكريات مع سيرين الدنماركية

(حينما تختفي النساء من الفضاء العام يختفي السلام) ق.م

للذاكرة طريقتها الخاصة في مقاومة النسيان؛ فهي لا تستدعي الأشخاص بقدر ما تستدعي الأسئلة التي تركوها خلفهم. وبعض الوجوه لا تبقى في الذهن لأنها جميلة فحسب، بل لأنها جاءت تحمل سؤالاً أكبر من المكان والزمان. هكذا أستعيد اليوم حادثة تعود إلى عام 2007، حين كنت رئيساً لقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة عدن حتى 2010م. في ذلك اليوم المصادف 30 يونيو 2007. دخلت مكتبي طالبة اجنبية وتركت ذكرى مازلت تحمل إليّ واحدة من أكثر التجارب الإنسانية والعلمية إثارة للتأمل.

مدت لي جوازها فعرفت بانها دنماركية تدرس في بريطانيا. قلت لها: لا تجيبي سيرة الدنمارك ارجوك قولي : بريطانية فقط وذلك بسبب الانفعالات الدينية التي كانت مشتعلة تلك الأيام ضد الدنمارك لو تتذكرون بعد الرسم التشكيلي المسي لصورة النبي صلعم.

كانت طالبة دراسات عليا من جامعة أكسفورد، تعد رسالة ماجستير في الأنثروبولوجيا التصويرية. اسمها سيرين، أو ربما سارين كما كان يُنطق أحياناً. كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، وشابة يفيض وجهها بالنور، حتى يخيل للناظر أن الجمال يمكن أن يكون وسيلة أخرى للمعرفة؛ شابة شقراء ممشوقة القوام وهذا ما يضاعف صعوبة حمايتها في مجتمع ذكوري محروم.كانت تتحدث العربية بصعوبة بالغة، وتعتمد كثيراً على لغة الإشارة، الأمر الذي اضطرني إلى الاستعانة برئيس قسم اللغة الإنجليزية ليقوم بدور المترجم بيننا.

دخلت تحمل رسالة من الأستاذ الراحل هشام علي بن علي وكيل وزارة الثقافة آنذاك، وهو أستاذي في السنة الجامعية الأولى( بكالوريوس) في كلية التربية العليا عدن. كان يعلمنا مادة مدخل إلى الفيزياء إذا لم تخني الذاكرة وما زلت أذكره بوقاره العلمي ودقته الأكاديمية. كان من أولئك المعلمين الذين يتركون أثراً يتجاوز المقرر الدراسي إلى طريقة التفكير نفسها.

جلست سيرين تشرح سبب قدومها إلى اليمن. لم تأت للسياحة، بل للبحث والدراسة بتحفير من كتاب الدكتور فلاج مللر ( الأثر الأخلاقي للشعر الشفاهي وأشرطة الكاسيت في العالم العربي) اطروحة دكتوراه في جامعة ميتشيغان عام 2002، ثم رُشحت عام 2006 للتحول إلى كتاب صدر عن قسم الدراسات الشرقية في جامعة هارفارد، متضمناً سبعة فصول إلى جانب المقدمة والخاتمة. وكان الفصل الثالث قد تُرجم إلى العربية بعنوان: «التمدن القبلي في قصيدة البدع والجواب: تاريخ اجتماعي لجماليات وسائل الإعلام في اليمن».

سيرين قراءة الكتاب وتأثرت به فجاءت لتنجز دراسة أنثروبولوجية مقارنة عن مكانة المرأة وموقعها في المجتمع اليمني، مستخدمة الكاميرا بوصفها أداة بحث لا مجرد وسيلة توثيق. كانت ترى أن الصورة تستطيع أن تقول ما تعجز عنه اللغة، وأن حركة الناس في الشارع أصدق أحياناً من آلاف الصفحات المكتوبة.

لكن اليمن استقبلها بطريقتها . فما إن وصلت إلى مطار صنعاء حتى تعرضت لعملية نصب، وصودرت كاميرتها، وهي بالنسبة إليها ليست مجرد جهاز، بل مختبرها العلمي بأكمله كما روت لي. حاولت معالجة المشكلة عبر القنوات الرسمية، حتى وصلت إلى رئيس الوزراء آنذاك، الأستاذ عبد العزيز عبد الغني رحمة الله عليه . استمع إليها باهتمام، ونصحها بالبحث في المحافظات الشمالية اليمنية محذرا ايها من الذهب إلى عدن أو حضرموت بسبب الأوضاع الأمنية والاضطرابات التي كانت تشهدها البلاد

الجنوب في تلك الأيام .

سيرين طلبته حماية رسمية. رُشح لها أحد الجنود لمرافقتها، غير أن الجندي طلب مبلغ 250 دولاراً يومياً مقابل تلك الحماية. كان ذلك المبلغ كافياً ليكشف مفارقة موجعة؛ ففي المجتمعات المضطربة تتحول الحماية نفسها إلى سلعة، ويصبح الأمن امتيازاً لمن يستطيع الدفع، لا حقاً يكفله القانون لجميع المواطنين والمقيمين.

رفضت العرض، واتجهت إلى وزارة الثقافة، حيث التقت بالأستاذ هشام علي، وروت له ما جرى. فأرسلها إليّ، وقال لها إن توفير ضمانات الحماية سيتيح لها استعادة الكاميرا المتحفظ عليها فاذا وجدت من يحميها في عدن يمكنها ومواصلة مشروعها البحثي على مسؤوليتها الشخصية.

تحدثنا طويلاً، ثم اتصلت بالأستاذ هشام لأطمئنه بوصولها. وبعد أن أغلقت الهاتف بدأت أفكر: من يستطيع أن يكون مسؤولاً عن هذه الباحثة في منطقة جبلية مثل يافع؟

لم أجد أفضل من الشاعر الشعبي محمد الوردي، مدير مكتب الثقافة في يافع. كان رجلاً ستينياً وقوراً، معروفاً باحترامه بين الناس، كما أن ابنته كانت معلمة للغة الإنجليزية، الأمر الذي سيخفف من صعوبة التواصل.

اتصلت به، فرحب بالفكرة دون تردد. كان يدرك أن البحث العلمي لا ينبغي أن يكون ضحية للظروف السياسية. أعددت خطاباً رسمياً يؤكد ترتيبات الحماية، وسلمته لسيرين، فعادت إلى صنعاء، ثم استكملت إجراءاتها، واستعادت الكاميرا، قبل أن تتوجه إلى عدن ومنها إلى يافع

مع الاستاذ محمد الوردي الذي استقبلها، ورافقها في جولاتها بين القرى والجبال والوديان. بقيت في يافع قرابة نصف شهر، تتنقل بصبر الباحث الحقيقي، لا بعجلة السائح. كانت تلتقط الصور، وتسجل الأصوات، وتجري المقابلات، وتراقب التفاصيل الصغيرة التي غالباً ما يغفل عنها أبناء المكان أنفسهم.

بعد انتهاء مهمتها عادت إلى جامعة اكسفورد في بريطانيا، وانقطعت أخبارها لفترة، حتى وصلتنا نسخة من الفيلم الذي أنجزته. ارسلت ثلاثة نسخة على شكل قرط مضغوط، وكان يحمل عنواناً لافتاً: «مجتمع الرجال» Men’s world

جلست أشاهده بشغف. بدأ الفيلم من باب اليمن في صنعاء، ثم أخذ الكاميرا تصعد تدريجياً نحو المرتفعات حتى تبلغ قمم جبال يافع. كانت العدسة تتحرك بهدوء، كأنها لا تبحث عن المشهد، بل عن المعنى المختبئ داخله. أجرت مقابلات مع شخصيات اجتماعية متعددة، وكان من بينهم الشاعر محمد الكهالي، الذي تحدث آنذاك عن بدايات الحراك السلمي الجنوبي في عام 2007، قبل أن تتسع دائرته في السنوات اللاحقة وما تعرفونه.

ما شد انتباهي وأنا اشاهد فيلم سيرين لم يكن الأشخاص الذين تحدثوا، بل الأشخاص الذين غابوا؛ عندها فقط فهمت السؤال الحقيقي الذي جاءت سيرين من أجله. لم تكن تبحث عن المرأة بوصفها فرداً، بل كانت تبحث عن حضورها في الفضاء العام. كانت الكاميرا تقوم بما تعجز عنه الاستبيانات؛ تعدّ الوجوه، وتقيس المسافات، وتقرأ الغياب قبل الحضور. فالمجتمع التي تغيب فيه المرأة من الفضاء العالم هو اكثر المجتمعات ضيقا وعنفا بحسب ليفي شتراوس.

في فيلم سيرين كان الرجال يحتلون الأسواق، والمقاهي، والمجالس، والطرقات، والساحات، وحتى فضاءات الاحتفال. أما النساء فلم يظهرن إلا نادراً؛ بعضهن بالزي التقليدي والنقاب، وبعضهن في بطون الأودية يحملن الحطب أو الماء فوق ظهورهن، كأنهن يتحركن على هامش المشهد الاجتماعي لا في مركزه؛ عندها أدركت أن الفيلم لم يكن فيلماً عن الرجال، بل عن غياب النساء.

وفي المشهد الأخير، جاءت الجملة التي اختزلت أطروحتها كلها في كلمات قليلة:

«مجتمع الذكور… مجتمع حرب وبرع فقط!»

كانت عبارة ذكية، لكنها مستفزة أيضاً؛ لأنها لم تكن حكماً أخلاقياً بقدر ما كانت ملاحظة أنثروبولوجية. فالمجتمع الذي تحتكر فيه الذكورة المجال العام، يتحول بالتدريج إلى فضاء يعيد إنتاج قيم القوة والاستعراض والقتال أكثر مما يعيد إنتاج قيم المشاركة والحياة المدنية والتنمية المستدامة .

منذ ذلك اليوم الذي لا ينسى ظل سؤال سيرين يرافقني كلما رأيت الساحات العامة مكتظة بالرجال. هل غياب النساء قدر طبيعي؟ أم أنه نتيجة تاريخ طويل من البناء الاجتماعي؟ وهل يمكن لمجتمع أن يحقق توازنه الإنساني إذا ظل نصفه الآخر غائباً عن المجال العمومي؟

والفلسفة تعلمنا أن الحقيقة لا تولد من الإجابات الجاهزة، وإنما من الأسئلة الجريئة. والأنثروبولوجيا تضيف أن ما يبدو لنا طبيعياً قد يكون في نظر الغريب أكثر الظواهر غرابة.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل باحثة شابة تأتي من أقصى الغرب لتكتشف ما لم نكن نراه نحن، لأننا ألفناه حتى أصبح جزءاً من المشهد اليومي

إذ حينما يكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة والثقافة وقد ترسخت هي ما يبق بعد نسيان كل شيء!

وما أدهشني، بعد مرور كل هذه السنوات، ليس الفيلم وحده، ولا نتائج البحث، وإنما شخصية تلك الباحثة نفسها. شابة في الخامسة والعشرين، جاءت من بريطانيا إلى بلد كان يعيش اضطرابات أمنية وسياسية معقدة، تعرضت للنصب منذ لحظة وصولها، وفقدت أداتها الأساسية، وواجهت ابتزازاً باسم الحماية، ثم أصرت، رغم كل ذلك، على استكمال مشروعها العلمي حتى النهاية.

كان يمكن لها أن تعود في أول رحلة طيران، وتكتب في تقريرها أن الظروف الميدانية حالت دون إنجاز البحث. لكنها لم تفعل. كانت تؤمن بأن المعرفة تستحق المغامرة، وأن الباحث الحقيقي لا يكتفي بقراءة المجتمع من وراء النوافذ، بل يذهب إليه، يمشي في طرقاته، ويصعد جباله، ويصغي إلى صمته كما يصغي إلى كلماته.

وهكذا بقيت هذه الحادثة واحدة من أجمل الذكريات؛ لأنها تذكرني بأن المعرفة ليست امتلاكاً للمعلومات، بل شجاعة في طرح الأسئلة، وأن الحقيقة كثيراً ما تأتي إلينا على هيئة غريبة، تحمل كاميرا، وتتحدث لغة مكسرة، لكنها ترى ما عجزنا عن رؤيته ونحن نظنه جزءاً عادياً من حياتنا.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

الحوثيون يلجأون إلى حيلة جديدة للالتفاف على "نكف الكرام"’ للشيخ حمد فدغم في الجوف... ويضعون 3 شروط -[تفاصيل]

المشهد اليمني | 435 قراءة 

ابن شقيق صدام حسين يغادر صمته ويحسم الجدل ويفجر مفاجأة مدوية بشأن "ميرا" - [استمع للتسجيل]

المشهد اليمني | 324 قراءة 

ساعة الحسم تدق في الجوف عقب إنتهاء الموهلة.. والقبائل ترفع راية "الشرف" في وجه المليشيا

الميثاق نيوز | 288 قراءة 

تصعيد خطير يهدد بتفجر المواجهة... نكف حوثي جديد على بعد 130 كيلو مترا من "مطارح الكرامة" للشيخ حمد فدغم - [فيديو]

المشهد اليمني | 276 قراءة 

تهديدات واتهامات خطيرة... تسريب صوتي بين قيادي في "العمالقة" ومدير شرطة دار سعد مصلح الذرحاني يثير غضبا واسعا - [اسمع]

المشهد اليمني | 270 قراءة 

قيادي حوثي يعرض شراء منزل "ميرا" لإنهاء "نكف الكرامة" ويضع شروطًا للمبادرة

يني يمن | 227 قراءة 

مفاجأة في سعر صرف الدولار بالبنوك اليوم الأربعاء

نيوز لاين | 221 قراءة 

أمن عدن يصدر توضيحا هاما بشأن أنباء اقتحام مبنى البحث الجنائي

المشهد اليمني | 216 قراءة 

أسعار البيض والدواجن تواصل الانهيار في الاسواق اليمنية وسط تخوفات المستثمرين في القطاعين

المشهد اليمني | 204 قراءة 

الريال اليمني يواصل التعافي.. أحدث أسعار صرف العملات اليوم الأربعاء 1 يوليو 2026

نيوز لاين | 204 قراءة