بشرى العامري:
لم يكن الراحل عبدالرحمن الحداد مجرد اسمٍ مرّ في سجلّ الأغنية اليمنية، بل كان حالةً إنسانية وفنية امتزج فيها دفء الصوت بوقار الكلمة, جمع بين منصة الأخبار وفضاء الطرب، في تجربةٍ نادرة قلّ أن تتكرر.
يعد الحداد أحد أبرز وجوه الوسط الفني والإعلامي، وكان نجما ساطعا في سماء الإبداع، ظلّ وفيا لصوته، وجمهوره، ووطنه.
وُلد الحداد عام 1950 في مدينة المكلا، ونشأ في بيئةٍ علمية محافظة، حيث تلقّى تعليمه الأول قبل أن يشدّ الرحال إلى بغداد عام 1966، ليكمل دراسته الجامعية في الصحافة والإعلام، حاصدا درجة البكالوريوس بتقدير امتياز.
هناك، تبلورت شخصيته بين الكلمة والصوت، بين الخبر والنغمة، ليعود لاحقا وهو يحمل مشروعا فنيا وإعلاميا متكاملا.
في ستينيات القرن الماضي، بدأ الحداد أولى خطواته على المسرح، حين اعتلى الخشبة في سن الخامسة عشرة، مؤديا أغنية للفنان أبوبكر سالم بلفقيه، لتكون تلك اللحظة شرارة انطلاق لمسيرةٍ حافلة.
وفي السبعينيات، لمع نجمه كأحد أبرز أصوات الأغنية اليمنية، خاصة بعد تعاونه المثمر مع الشاعر حسين المحضار، حيث شكّلا معا ثنائيا فنيا أسهم في انتشار الأغنية الحضرمية خارج حدودها الجغرافية.
تميّز الحداد بصوتٍ دافئٍ حنون، استطاع أن يعبر به بين اللون الحضرمي والصنعاني، جامعا بين مدارس غنائية مختلفة، ومقدما أعمالا خالدة مثل: “ينسنس علينا”، “على ميعاد”، “صادت فؤادي”، “يا رايحين الوطن”، “خاتم الماس”، “حرام عليك تقفل الشباك”، “مهما يطول الزمن”، “زمان الصباء”، “زمن العجايب”، “بنشوفك يوم”، “لو دامت لغيرك”، “كحيل الطرف” وهي أغانٍ لا تزال تنبض في وجدان المستمعين، وتستعيد زمنا كان فيه الغناء رسالةً وذاكرة.
لم يقتصر حضوره على الغناء، بل كان للإعلام نصيبٌ وافر من مسيرته، فقد عمل مذيعا ومعدّ برامج في إذاعة المكلا، قبل أن ينتقل إلى إذاعتي وتلفزيون عدن، حيث عرفه الجمهور قارئا لنشرات الأخبار بصوتٍ رصينٍ يفيض ثقةً وهدوءا.
ثم واصل مشواره في صنعاء، جامعا بين الإعلام والفن، ومضيفا إلى سيرته منصب مستشار لوزير الثقافة، ومتوجا مسيرته بوسام الفنون والآداب من الدرجة الأولى عام 1989،
وكان الفنان عبد الرحمن الحداد صوتا متقدا بالحب للوطن، ووجدانا لا ينفصل عن تراب الأرض التي أنجبته. لم يكن يغني من أجل اللحن وحده، بل كان صوته امتدادا لنبض وطنٍ كامل، يترجم الشوق والوفاء في كل نغمة.
تغنّى بالوحدة اليمنية كأنها حلم قلبٍ واحد، ورآها جسدا جامعا للأرض والإنسان، فحوّل أغنياته إلى جسورٍ من الأمل بين الشمال والجنوب، وبين الذاكرة والمستقبل.
رحل الفنان عبدالرحمن الحداد، في ١٤ من ابريل الماضي، عن عمر ناهز ٧٦ عاما بعد صراع مرير مع المرض ليخسر الوطن برحيله صوتا كان يروي الحكاية مرتين، مرةً حين يقرأ الخبر، ومرةً حين يغنّي الوجدان.
لكنه، في المقابل، ترك إرثا لا يُغادر، وأغنياتٍ ستظلّ شاهدة على زمنٍ جميل، وعلى فنانٍ اختار أن يكون قريبا من الناس فصار جزءا من ذاكرتهم التي لا تنطفئ.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news