سقطرى.. إرث حضاري يحرسه التاريخ وتؤكد هويته الجغرافيا والسيادة

     
سبتمبر نت             عدد المشاهدات : 15 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
سقطرى.. إرث حضاري يحرسه التاريخ وتؤكد هويته الجغرافيا والسيادة

 

سبتمبر نت: تقرير/ توفيق الحاج

تتراءى جزيرة سقطرى، هذه اللؤلؤة الفريدة في مياه المحيط الهندي، كشاهد حي على عراقة التاريخ وجمال الطبيعة الساحر، إن أرخبيل سقطرى كنز يمني أصيل، يحمل في طياته إرثاً حضارياً وبيئياً لا يُضاهى، ويجسد هوية وطنية راسخة تتحدى كل محاولات العبث.

وتسليط الضوء على مكانة جزيرة سقطرى التاريخية والجغرافية، وأهميتها الاستراتيجية، ضرورة لإبراز هويتها اليمنية الأصيلة، وتأكيدا على الدور المنوط بالحكومة في حماية الأرخبيل وتلبية احتياجات أبنائه.

تمثل سقطرى واحدة من أبرز الجزر اليمنية وأكثرها تميزاً على المستويين الجغرافي والبيئي، إذ تجمع بين الموقع الاستراتيجي الفريد والتنوع الطبيعي النادر والإرث الحضاري العريق، ما جعلها محط اهتمام الحضارات القديمة والبعثات العلمية والجهات الدولية على حد سواء.

فعلى امتداد آلاف السنين، احتفظ الأرخبيل بمكانته بوصفه نقطة التقاء لطرق الملاحة والتجارة البحرية، وموطناً لأنواع نباتية وحيوانية لا توجد في أي مكان آخر من العالم، الأمر الذي أكسبه أهمية استثنائية تتجاوز حدوده الجغرافية.

ويقع أرخبيل سقطرى عند ملتقى البحر العربي والمحيط الهندي، ويضم الجزيرة الرئيسية سقطرى إلى جانب جزر أخرى هي سمحة، ودرسة، وعبد الكوري، وكعل فرعون، ويبعد الأرخبيل نحو 380 كيلومتراً عن الساحل الشرقي لليمن، وتحديداً عن منطقة فرتك بمحافظة المهرة، وهو ما منحه عبر التاريخ أهمية استراتيجية جعلته محطة رئيسية لحركة الملاحة البحرية بين الشرق والغرب.

وتبلغ المساحة الإجمالية للأرخبيل نحو 3798 كيلومتراً مربعاً، فيما تستحوذ جزيرة سقطرى الكبرى على ما يقارب 3650 كيلومتراً مربعاً، بطول يصل إلى 120 كيلومتراً وعرض يبلغ نحو 40 كيلومتراً. وظلت الجزيرة تتبع إدارياً محافظة حضرموت حتى عام 2013، قبل أن تصبح محافظة مستقلة استجابة لمطالب أبنائها، وبالنظر إلى خصوصيتها الجغرافية وبعدها عن المركز الإداري.

خصائص فريدة

ويتميز الأرخبيل بمناخ استوائي تتباين خصائصه بين السواحل والمرتفعات الجبلية. ففي فصل الشتاء تسود أجواء معتدلة مصحوبة برياح شمالية شرقية خفيفة وأمطار موسمية تستمر حتى شهر فبراير، بينما يشهد فصل الصيف نشاطاً واسعاً للرياح الموسمية القوية القادمة من الشمال والشمال الشرقي، والتي تتسبب في اضطراب البحر وصعوبة الملاحة البحرية خلال الفترة الممتدة من منتصف مايو وحتى سبتمبر، إضافة إلى هطول أمطار رعدية متفرقة في بعض المناطق.

ماهية التسمية

ولا تقل شهرة سقطرى التاريخية عن أهميتها الجغرافية، إذ تعد من أقدم الجزر المأهولة في المنطقة، واختلف المؤرخون حول أصل تسميتها، فبعض الروايات ترجع الاسم إلى عبارة “سوق القطرة” أو “سوق القاطرة”، في إشارة إلى ازدهار تجارة اللبان والصبر ودم الأخوين، بينما تشير روايات أخرى إلى أن التسمية تعود إلى اللغة السنسكريتية وتعني “جزيرة السعادة” أو “مأوى النعيم”. كما يرى باحثون أن الاسم الحالي قد يكون تحريفاً لاسم يمني قديم هو “سكرد”، إلا أن معظم الدراسات تميل إلى ارتباط التسمية بالنشاط التجاري الذي اشتهرت به الجزيرة منذ العصور القديمة.

وعرفت سقطرى منذ آلاف السنين كمصدر رئيسي لإنتاج اللبان والصبر والنباتات الطبية، الأمر الذي جعلها محط اهتمام حضارات متعددة، بدءاً من الفراعنة والإغريق والفرس والهنود، وصولاً إلى البرتغاليين والبريطانيين خلال فترات لاحقة، وقد تركت تلك الحضارات آثاراً متنوعة في تاريخ الأرخبيل، بينما أسهمت البعثات العلمية الأوروبية في القرن التاسع عشر في إبراز القيمة البيئية الفريدة للجزيرة.

وكان الضابط البحري البريطاني وليم بيري من أوائل الأوروبيين الذين اهتموا بدراسة نباتات سقطرى، حيث نقل عدداً من أنواعها النادرة إلى الحدائق الملكية البريطانية، قبل أن يقود عالم النبات البريطاني بلفور حملتين علميتين إلى الجزيرة عام 1880، تمكن خلالهما من جمع نحو 500 نوع نباتي، صنف عدد كبير منها كأنواع جديدة لم تكن معروفة لدى علماء النبات في ذلك الوقت، وهو ما رسخ المكانة العلمية العالمية للأرخبيل.

تنوع بيئي

وتنفرد سقطرى بثروة بيئية استثنائية جعلتها واحدة من أهم المحميات الطبيعية في العالم، إذ تضم مئات الأنواع من النباتات والأشجار النادرة، وفي مقدمتها شجرة دم الأخوين التي أصبحت رمزاً عالمياً للجزيرة، إلى جانب أشجار اللبان والصبر وأنواع أخرى لا تنمو إلا في الأرخبيل، كما تتمتع بمياه بحرية غنية بالشعاب المرجانية والثروة السمكية، الأمر الذي يوفر مورداً اقتصادياً رئيسياً لآلاف السكان العاملين في مهنة الصيد.

ولا يقتصر النشاط الاقتصادي في الأرخبيل على الصيد البحري، بل يمتد إلى الزراعة والرعي والحرف التقليدية، وتنتشر زراعة النخيل التي تنتج أكثر من خمسة وعشرين نوعاً من التمور، إلى جانب تربية الماشية في الجبال والهضاب، بينما لا تزال الصناعات اليدوية، مثل غزل الصوف وصناعة الفخار والمنتجات الجلدية وبناء القوارب الخشبية، تمثل جزءاً من التراث الاقتصادي والثقافي لسكان الجزيرة.

كما يرى عدد من الباحثين أن الأرخبيل يمتلك إمكانات واعدة في مجال الموارد الطبيعية، مع وجود مؤشرات على احتياطيات من النفط والغاز، فضلاً عن امتلاكه مقومات سياحية استثنائية تتمثل في الشواطئ البكر والكهوف الطبيعية والجبال والتنوع الحيوي الفريد، وهو ما جعله وجهة للباحثين والسياح من مختلف أنحاء العالم.

الحوكمة المحلية

وعلى الصعيد الإداري، شهدت سقطرى تحولاً مهماً بإعلانها محافظة مستقلة عام 2013، وتضم مديريتي حديبو وقلنسية وعبد الكوري, إلا أن ظروف الحرب التي تشهدها البلاد منذ عام 2015 حالت دون إجراء انتخابات للمجالس المحلية، الأمر الذي جعل إدارة المحافظة تعتمد بصورة رئيسية على المحافظ والسلطات التنفيذية القائمة.

وخلال الأيام الماضية، عادت سقطرى إلى الواجهة السياسية عقب تصريحات أدلى بها محافظ الأرخبيل رأفت الثقلي خلال مؤتمر عقد في العاصمة المؤقتة عدن، تحدث فيها عن خصوصية سقطرى الجغرافية والثقافية، وأثار تساؤلات بشأن الروابط التي تؤكد يمنية الأرخبيل، وفكرة الحكم الذاتي.

تجاوز الثوابت الوطنية

وأثارت هذه التصريحات موجة واسعة من ردود الفعل السياسية والإعلامية والشعبية، إذ اعتبرها كثير من السياسيين والناشطين تجاوزاً للثوابت الوطنية وتشكيكاً في الهوية اليمنية للأرخبيل، مؤكدين أن الدستور اليمني والقوانين النافذة والاعتراف الدولي يحسم بصورة قاطعة تبعية سقطرى للجمهورية اليمنية، وأن أي طرح يخالف ذلك لا ينسجم مع المسؤولية التي يتحملها المسؤولون في مؤسسات الدولة.

كما تصاعدت الدعوات المطالبة باتخاذ موقف رسمي إزاء تلك التصريحات، وربط عدد من المراقبين بين تصريحات المحافظ وانتمائه إلى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، معتبرين أن تلك التصريحات تعكس توجهاً سياسياً سبق أن ظهرت ملامحه في المحافظة خلال السنوات الماضية.

مساس بالسيادة والهوية

ووصف محللون وكتاب تصريحات المحافظ بأنها تمثل تطوراً خطيراً يتجاوز حدود الوصف الجغرافي إلى المساس المباشر بالسيادة الوطنية، داعيين إلى فتح تحقيق رسمي ومساءلة قانونية، معتبرين أن الحفاظ على سيادة الدولة ووحدة أراضيها يمثل مسؤولية دستورية لا تحتمل أي اجتهادات.

اعتزاز ومطالب

ويتمسك أبناء سقطرى بهويتهم اليمنية الأصيلة، معتزين بانتمائهم لهذه الأرض العريقة، ومع ذلك، فإنهم يواجهون تحديات جمة تتطلب اهتماماً حقيقياً من الحكومة والقيادة اليمنية، فالباحث في التراث السقطري، أحمد الرميلي، أكد أن التشكيك بهوية سقطرى اليمنية لا يمثل قضية بالنسبة لأبناء الأرخبيل، مشدداً على أن معاناة الإنسان السقطري واحتياجاته يجب أن تكون في صدارة الاهتمام الرسمي, مطالباً بالالتفات إلى احتياجات السكان وتوفير الخدمات الأساسية وتحقيق التنمية المستدامة.

إن سقطرى، بتنوعها البيولوجي الفريد وتراثها الثقافي الغني، تواجه أيضاً مخاطر العبث والتدمير, لذا، فإن حماية الجزيرة من أي ممارسات قد تضر بتنوعها الحيواني والنباتي والثقافي تُعد مسؤولية وطنية وإنسانية، يجب على الحكومة التصدي بحزم للدعوات التي تستهدف هوية الجزيرة ويمنيتها، وأن تعمل على تعزيز الانتماء الوطني لدى أبنائها من خلال توفير سبل العيش الكريم والفرص التنموية، وهذا استثمار في مستقبل اليمن، وحماية لجزء لا يتجزأ من تاريخه وهويته.

تظل سقطرى، بجمالها الأخاذ وعراقتها التاريخية، رمزاً للصمود والهوية اليمنية الأصيلة، وعلى الحكومة والقيادة اليمنية تبني رؤية شاملة تضمن حماية هذه الجوهرة الطبيعية والثقافية، وتلبي طموحات أبنائها في التنمية والازدهار، ففي كل شبر من أرض سقطرى، وفي كل نسمة من هوائها، تكمن قصة يمنية عريقة تستحق أن تُروى، وأن تُصان، وأن تُعزز، لتظل سقطرى منارة يمنية شامخة في قلب المحيط، تشع بالأصالة والعراقة، وتتحدى كل محاولات طمس هويتها أو المساس بسيادتها.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

48 ساعة فقط امام المغتربين في السعودية وهذا ما سيحصل

الميثاق نيوز | 602 قراءة 

بن لزرق يكشف المستور: حقيقة تغيير محافظ عدن.. أسرار قفزة المليارين.. وتغييرات مرتقبة

المشهد اليمني | 455 قراءة 

شلال شايع يظهر في أمريكا والكشف عن السبب

كريتر سكاي | 305 قراءة 

الحوثيون يدفعون بـ نجل مؤسس الميليشيا إلى الجوف لـ احتواء "نكف الكرامة" وشراء الولاءات

المشهد اليمني | 266 قراءة 

محافظ البنك المركزي اليمني يعلن عن مفاجأة من مصر

المشهد اليمني | 249 قراءة 

ميليشيا الحوثي ترسل تعزيزات عسكرية ضخمة من صنعاء إلى الجوف لـ مواجهة "نكف" الشيخ حمد فدغم الحزمي - [تفاصيل حصرية]

المشهد اليمني | 233 قراءة 

اجتماع قبلي في أرحب يثير الجدل حول مصير "ميرا".. وتصعيد ميداني غير مسبوق في الجوف

الميثاق نيوز | 228 قراءة 

تحذيرات استخباراتية حوثية للناشطين والإعلاميين في قضية الشيخ بن فدغم

المشهد اليمني | 223 قراءة 

صدور قرار جمهوري جديد

الميثاق نيوز | 205 قراءة 

تطورات جديدة في قضية الابتزاز بعدن.. الفتاة ووالدتها تغادران المدينة وسط تهديدات متصاعدة

نيوز لاين | 174 قراءة