الميثاق نيوز، متابعة خاصة،
بينما تلتقط الأسواق بارقة أمل عابرة في استقرار العملة، تكشف أرقام أممية حديثة أن أكثر من نصف اليمنيين يواجهون الموت جوعاً في صمت، مع وصول شريان التمويل الإنساني إلى شفير الانقطاع التام.
في أسواق صنعاء وعدن، قد يبدو استقرار سعر صرف الريال اليمني عند نحو 1553 للدولار بارقة أمل تلوح في الأفق، لكن هذا الهدوء السطحي يخفي عاصفة تدميرية تضرب تحت السطح.
فبينما تلهث الأسر وراء رغيف خبز باتت تكلفته الاسمية أقل بنسبة 27 في المائة عن العام الماضي، تظل أيديهم فارغة؛ فالرواتب غائبة، والوظائف تبخرت، والقوة الشرائية انهارت تماماً لتتحوّل الأرقام الاقتصادية إلى مجرد حبر على ورق لا يطعم جائعاً، وليبدأ هنا فصل جديد من فصول المأساة اليمنية.
هنا تتدخل البيانات لتروي واقعاً مروعاً لا يُخطئه التحليل، حيث يسلط تقرير حديث لمنظمة الأغذية والزراعة "الفاو" الضوء على أرقام تفطر الأكباد؛ فنسبة 53 في المائة من اليمنيين لم يعودوا مجرد "فقراء" بل دخلوا المرحلة الثالثة من انعدام الأمن الغذائي، ليتحمل البلد وحده أعلى عبء عالمي للسكان العالقين في المرحلة الرابعة، مرحلة الطوارئ القصوى حيث يصبح الموت بالجوع احتمالاً وارداً في أي لحظة.
وفي جيوب معزولة من البلاد، تجاوز الخط الفاصل نحو الكارثة الغذائية بالفعل، في وقت يبدو فيه أن المجتمع الدولي قد أدار ظهره، إذ لم يتجاوز تمويل العمليات الإنسانية 14 في المائة من الاحتياجات حتى يونيو الجاري.
ولزيادة الطين بلة، لا تقتصر المعاناة على نقص التمويل فحسب، بل تمتد لتشابك الأزمات الاقتصادية التي تنهش جسد البلد المنهك.
فرغم أن استقرار العملة خفف مؤقتاً من وطأة السلع المستوردة، إلا أن ارتفاع أسعار الوقود بنسبة تراوحت بين 11 و15 في المائة خلال مايو الماضي أشعل فتيل أزمة جديدة؛ فالنقل، والطحن، وضخ المياه، وحتى إنتاج الكهرباء أصبح حلماً بعيد المنال.
وفي ظل هذا الخناق المحكم، تراجعت واردات القمح والدقيق بنسبة 28 في المائة مقارنة بالشهر السابق، لتتقلص رقعة الأمان الغذائي أكثر فأكثر، بينما تتسع الفجوة في أسعار الصرف بين مناطق الحكومة ومناطق سيطرو ميليشيا الحوثيين، مما يخلق واقعاً مزدوجاً من الغلاء والتفاوت الصارخ.
وقد يحاول البعض التعويل على مؤشرات هامشية، مثل ارتفاع أجور عمال الزراعة بنسبة ضئيلة لا تتجاوز 3 في المائة، أو ارتفاع أسعار الماشية الذي يدر دخلاً على الرعاة، لكن هذه الومضات الخادعة لا تعدو أن تكون مسكنات عجزت عن إيقاف النزيف.
فالصدمة الحقيقية التي يكشف عنها التقرير الأممي ليست في الأرقام فحسب، بل في الاستنتاج المرعب الذي يُختتم به؛ فاليمن لم يعد مجرد دولة تعاني من أزمة عابرة، بل تحول رسمياً إلى أكبر بؤرة سوداء في العالم من حيث عدد السكان العالقين في فخ المجاعة.
وحيث تتلاشى كل مؤشرات التعافي الاقتصادي الوهمي تتكشف عن حقيقة واحدة مفادها أن البلاد تنزلق بسرعة مرعبة نحو هاوية الموت الجماعي، في صمت مطبق وعجز دولي مستمر
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news