أثار قرار وزارة الداخلية اليمنية بتكليف رئيس جديد لمصلحة خفر السواحل، بدلاً من رئيسها "المقال" بقرار غير معلن، "اللواء خالد القملي"، أزمة إدارية وسياسية جديدة داخل العاصمة المؤقتة عدن، وسط اتهامات للأخير بالتمرد العسكري على القرارات الرسمية الصادرة بموافقة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة.
ودخلت مصلحة خفر السواحل خط المواجهة عبر بيان عارضت فيه الإجراء، بالتزامن مع حملة إعلامية استهدفت وزير الداخلية، "اللواء إبراهيم حيدان"، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لتعطيل قرارات الدولة وفرض واقع جديد، مستندة إلى شبكة مصالح محلية وإقليمية تحاول إبقاء القيادة السابقة في منصبها الذي تشغله منذ عام 2016.
وتفيد مصادر حكومية مطلعة لـ "الهدهد"، بأن قرار تكليف رئيس جديد للمصلحة حظي بموافقة مسبقة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، وفقاً للإجراءات الإدارية المتبعة التي تقضي بصدور قرارات التكليف الوزارية أولاً، لتتبعها لاحقاً القرارات الرئاسية التثبيتية.
وأشارت إلى وجود "تناقض واضح" في موقف القيادة المقالة، إذ في حين يؤكد بيان المصلحة الالتزام بـ"النظام والقانون"، فإنه يرفض عملياً تنفيذ توجيهات الوزير والحكومة، ممثلاً حالة تمرد صريحة على تراتبية مؤسسات الدولة الأمنية.
وقارنت المصادر هذا الموقف بما حدث في قطاعات أخرى تابعة لوزارة الداخلية؛ حيث سلّم رئيس مصلحة السجون السابق منصبه لخلفه فور صدور التوجيهات الوزارية رغم امتلاكه قراراً رئاسياً سابقاً، التزاماً بالمبدأ المؤسسي وتداول المسؤولية.
حديث عن ملفات فساد وإخفاقات أمنية
وتأتي إقالة "القملي" بعد سلسلة من الإخفاقات الأمنية والتقارير التي تحدثت عن اختلالات واسعة تضرب المصلحة السيادية، على الرغم من تلقيها مليارات الريالات ومساعدات دولية ضخمة طوال العقد الماضي.
وتشير معطيات ميدانية إلى تسجيل عدة خروقات أمنية خطيرة بالقرب من مقار تواجد خفر السواحل، أبرزها تعرض سفن نفطية وتجارية لعمليات قرصنة وتهريب منظم، دون تحرك فاعل من القوات المعنية بحماية المياه الإقليمية.
والأخطر من ذلك، ما كشفته مصادر أمنية عن استخدام بعض الزوارق والمعدات الحديثة التي قُدمت كمنح ومساعدات دولية لليمن، من بينها مساعدات يابانية، في عمليات قرصنة مشبوهة، دون أن يتم ترقيمها أو تقييدها رسمياً في سجلات وزارة الداخلية، فضلاً عن رصد تحركات مريبة لقوارب تهريب من داخل ميناء بلحاف الاستراتيجي وسط اتهامات للمصلحة بالتواطؤ وتقاعسها عن أداء واجباتها.
أبعاد الرفض
ولا تنفصل هذه الأزمة عن السياق السياسي المعقد في عدن، حيث يرى باحثون أن القيادة المقالة حاولت طوال سنوات التعامل مع مصلحة خفر السواحل كـ"ملكيتة خاصة" والسعي لفصلها إدارياً وأمنياً عن وزارة الداخلية، محاكية في ذلك منهجية بعض المكونات المحلية في رفض القرارات الرسمية للدولة.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان الجدل الذي أثير قبل أشهر بشأن رصد محاولات إنزل عسكري في جزيرة "ميون" الاستراتيجية عبر طائرات تابعة لشركة إماراتية، وذلك في أبريل/ نيسان الماضي.
وحينها خرج رئيس مصلحة خفر السواحل "خالد القملي" ليرفض تلك الأنباء، واصفاً الطائرات الأجنبية بأنها تابعة لـ"دولة صديقة"، وهو الموقف الذي أثار انتقادات حادة واتهامات للجماعة بالعمل لصالح أجندات خارجية وتوفير غطاء لتغلغل قوى إقليمية ودولية في الجزر السيادية اليمنية.
وفي المقابل، حاول القملي عبر ناشطون إعلاميون تسويق أن رئيس المصلحة الجديد شخصية "مدنية" لا علاقة لها بالعمل الأمني، غير أن سجلات وزارة الداخلية تؤكد أن المكلف الجديد يُعد من القيادات الأمنية والعسكرية المخضرمة في سلك الدولة.
وتشير المصادر إلى أن لجوء "القملي" ومن معه إلى تسريب وثائق رسمية ومراسلات سرية لوسائل الإعلام يمثل دليلاً على تراجع خياراتها القانونية، وسط مطالبات بفتح تحقيق عاجل للكشف عن الجهات المسؤولة عن تسريب وثائق الدولة ومحاسبتها، والمضي قدماً في فرض هيبة النظام والقانون في العاصمة المؤقتة.
ا
لتكليف الجديد والتوافق القانوني
في سياق متصل، قالت مصادر من داخل وزارة الداخلية، إن قرار الإقالة والتكليف الجديد جاء كضرورة حتمية بعد أن تحولت المصلحة تدريجياً إلى ما يشبه "القطاع الخاص"، مسجلةً سلسلة من الاختلالات البنيوية والأمنية، فضلاً عن رصد مواقف سياسية مثيرة للجدل للقيادة المقالة تجاه السيادة الوطنية والجزر اليمنية.
المصادر ذكرت لـ "الهدهد" أن الإجراءات المتبعة تشير إلى أن التكليف الصادر عن وزير الداخلية جاء متوافقاً مع الهيكل التنظيمي، الذي ينص على تبعية مصلحة خفر السواحل للوزارة؛ حيث يقوم الوزير بالتكليف، ويرفع رئيس الوزراء المقترح إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي لإصدار القرار الجمهوري بالتعيين.
وفيما حاولت حملات إعلامية التشكيك في قانونية الإجراء، يرى خبراء قانونيون أن تركيز البيانات الصادرة عن الطرف المتمرد على "السجل المهني" للمكلف الجديد بدلاً من الطعن في الإجراءات ذاتها، يرجح أن الاعتراض يحمل دوافع سياسية ومصلحية وليس قانونية.
وأكدت مصادر أمنية لـ "الهدهد" أن التمسك بالمنصب عبر اللجوء لحملات التشويه وتسريب الوثائق والمراسلات الرسمية يهدف إلى عرقلة التوجه الحكومي الهادف لتعزيز مبدأ احترام مؤسسات الدولة وتداول المسؤولية، مشددة على ضرورة فتح تحقيق رسمي لمحاسبة الجهات المتورطة في تسريب وثائق الدولة السرية.
مساعدات غير مرقمة
وتأتي تحركات وزارة الداخلية لإعادة هيكلة المصلحة بعد تقارير رصدت تراجعاً حاداً في الأداء الأمني واستمرار عمليات التهريب والقرصنة البحرية على مرأى ومسمع من مراكز خفر السواحل، رغم حجم الدعم الدولي والمالي الكبير الذي تدفق للمصلحة طوال السنوات الماضية.
وتبرز في هذا السياق اتهامات بالغة الخطورة تتعلق بآلية التعامل مع المساعدات والمنح الدولية، حيث تفيد معلومات أمنية بوجود زوارق ومعدات حديثة تسلمتها المصلحة ولم يتم ترقيمها أو تقييدها رسمياً في سجلات وزارة الداخلية، مما أتاح استخدام بعضها في هجمات وعمليات قرصنة بحرية مشبوهة، وهو الملف الذي تطالب الأوساط الحكومية بإخضاعه لتحقيق جنائي وعسكري عاجل.
ولا ينفصل قرار الإقالة عن مواقف سابقة لـ "القملي" أثارت استياءً واسعاً في الأوساط السياسية اليمنية، لعل أبرزها ما حدث قبل أشهر عند رصد محاولات إنزال عسكري لقوات أجنبية في جزيرة "ميون" الاستراتيجية عبر طائرات تابعة لشركات إماراتية.
ويُجمع من تحدثت إليهم "الهدهد"، على أن تحرك دوائر نفوذ محددة للدفاع عن "القملي" ومحاولة إبقائه على رأس المصلحة يتجاوز كونه خلافاً على قرار إداري إلى محاولة مستميتة لحماية شبكة مصالح معقدة نمت تحت لافتة "الترهل والعبث".
في المقابل أكدوا أن إصرار وزارة الداخلية على إنفاذ القرار يحظى بدعم القيادة السياسية والتحالف بقيادة السعودية، رغبةً في قطع الطريق أمام أي محاولات لفرض واقع يعطل تماسك مؤسسات الدولة الشرعية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news