سلّط تقرير حديث صادر عن مركز النمو الدولي (International Growth Centre) التابع لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، الضوء على الدور المحوري للتحويلات المالية في اليمن، بوصفها أكبر مصدر للتمويل الخارجي في ظل الحرب والانهيار الاقتصادي، متجاوزةً المساعدات الدولية والاستثمارات الأجنبية.
ويطرح التقرير الذي ترجمه "يمن شباب نت" تساؤلًا جوهريًا حول كيفية الاستفادة من هذه التدفقات المالية الضخمة—التي تمثل شريان حياة لملايين اليمنيين—في تحقيق انتعاش اقتصادي مستدام، بدل بقائها محصورة في تلبية الاحتياجات الاستهلاكية.
كما يقدم قراءة تحليلية لتأثير القيود الداخلية والخارجية على تدفقات التحويلات، ودور الأنظمة غير الرسمية في إبقائها مستمرة، مقابل تراجع الثقة بالقطاع المصرفي الرسمي.
وفي الوقت الذي يبرز فيه التقرير مرونة نظام التحويلات في مواجهة الصدمات، فإنه يؤكد أن تحويل هذه المرونة إلى فرصة تنموية يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، تعزز الشمول المالي، وتدعم الاستثمار، وتعيد ربط اليمن بالمنظومة المالية الدولية.
نص التقرير:
في اليمن، تُعدّ التحويلات المالية المصدر الأكبر للتمويل الخارجي، إذ تُسهم في دعم الأسر خلال الأزمات الاقتصادية وضعف الحوكمة. ويُقدّم تقرير جديد أدلةً حول كيفية تأثير القيود العالمية وانتشار أنظمة التحويلات غير الرسمية على تدفقات التحويلات، كما يُحدّد الإصلاحات اللازمة لتعزيز الشمول المالي ودعم التحوّل الاقتصادي.
في الاقتصادات الهشة والمتأثرة بالنزاعات، لا تُعدّ التحويلات المالية مجرد مدفوعات مالية، بل هي آلية أساسية لبقاء الأسر. وقد تجلّى ذلك بوضوح في اليمن منذ انهيار صادرات النفط عقب اندلاع الحرب الأهلية. قبل عام ٢٠١٥، كانت عائدات النفط تُقدّر بنحو ٢-٣ مليارات دولار أمريكي سنويًا. ومع انخفاض هذه العائدات، برزت التحويلات المالية كمصدر التمويل الخارجي الأكثر استقرارًا لليمن.
تُقدّر تدفقات التحويلات المالية الرسمية بما بين 4 و6 مليارات دولار أمريكي ، ما يُمثّل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي. وعند إضافة التحويلات غير الرسمية، قد تصل التدفقات الإجمالية إلى 10 مليارات دولار أمريكي ، أي ما يُقارب ضعف حجم التحويلات الواردة عبر القنوات الرسمية.
وتتجاوز هذه التدفقات الآن المساعدات الخارجية والاستثمار الأجنبي المباشر، ما يجعل التحويلات المالية المصدر المالي الخارجي الأكبر للأسر اليمنية.
ما الذي يجعل أنظمة التحويلات المالية في اليمن قادرة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية؟
على الرغم من استمرار الصراع والتفكك الاقتصادي والقيود المالية الدولية، أظهرت أنظمة التحويلات المالية في اليمن مرونةً ملحوظة. ويعزى هذا الصمود إلى عاملين: أولهما، تكيف آليات التحويل غير الرسمية، ولا سيما شبكات الحوالة ، للعمل عبر خطوط المواجهة وفي المناطق ذات البنية التحتية المالية المحدودة.
وثانيهما، تعديل قنوات التحويلات المالية لتواكب الظروف التنظيمية والاقتصادية المتغيرة، مما سمح باستمرار تدفق الأموال حتى مع تدهور الأنظمة المصرفية الرسمية. ومع ذلك، فإن المرونة لا تترجم تلقائياً إلى تنمية.
فمع تجاوز معدل البطالة 17% وعيش ما يقارب ثلاثة أرباع سكان اليمن تحت خط الفقر ، تُستخدم التحويلات المالية في الغالب لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية العاجلة. يُنفق حوالي 75% من دخل التحويلات على الغذاء والإيجار والرعاية الصحية والتعليم الأساسي.
ولا يعكس هذا النمط سلوكًا أسريًا قصير النظر، بل قيودًا هيكلية. فالتضخم المرتفع، وعدم استقرار العملة، ومحدودية الوصول إلى الخدمات المصرفية، وانعدام المدخرات أو الاستثمارات الآمنة، لا تترك للأسر مجالًا يُذكر لتخصيص التحويلات لأنشطة اقتصادية طويلة الأجل.
القيود الداخلية على تدفقات التحويلات المالية :
يتأثر مشهد التحويلات المالية في اليمن بتحديات داخلية. حيث يهيمن نظام الحوالة غير الرسمي، الذي تديره شبكة من الوسطاء، جزئياً بسبب تدهور الخدمات المالية الرسمية.
وتواجه البنوك باستمرار نقصاً في السيولة، وتجميداً لعمليات السحب، واضطرابات تشغيلية، مما يؤدي إلى تآكل ثقة الناس. ونتيجة لذلك، ينظر العديد من اليمنيين إلى الخدمات المصرفية الرسمية على أنها مصدر خطر وليست ضماناً.
أدى تشتت الحوكمة المالية في اليمن إلى تفاقم هذه التحديات. فبعد اندلاع الحرب، انقسم بنك اليمن المركزي إلى كيانين متنافسين عام 2016: بنك اليمن المركزي الحكومي الذي يعمل تحت إشراف الحكومة المعترف بها دوليًا من عدن، وبنك اليمن المركزي الذي يقع مقره في صنعاء ويخضع لسلطات الأمر الواقع.
وتدير هاتان السلطتان المتنافستان نظامين نقديين ورقابيين متوازيين، مما أدى إلى ازدواجية أسعار الصرف، وتشتت الرقابة، وتضارب اللوائح المصرفية.
وقد أدى هذا الانقسام إلى زيادة تكاليف التعاملات، وتقليل إمكانية التنبؤ بقيم التحويلات المالية، وإضعاف الثقة في القنوات المالية الرسمية، مما شجع على الاعتماد بشكل أكبر على الآليات غير الرسمية.
الضغوط الخارجية والانفصال عن التمويل العالمي
لقد ساهمت العوامل الخارجية في تشكيل نظام التحويلات المالية في اليمن. فمنذ مطلع العقد الثاني من الألفية، دفعت العقوبات ولوائح مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب العديد من البنوك الدولية إلى قطع علاقاتها المتعلقة بالمراسلات المصرفية مع المؤسسات اليمنية.
وقد أدت عملية الحد من المخاطر هذه إلى تقييد الوصول إلى الشبكات المالية العالمية، وزيادة تكاليف الامتثال، وتضييق نطاق خيارات التحويلات المالية الرسمية المتاحة للمهاجرين اليمنيين.
على نحوٍ مُثيرٍ للدهشة، لا تزال اليمن من بين أقل الوجهات تكلفةً على مستوى العالم لإرسال الحوالات المالية. ففي الربع الثاني من عام 2024، بلغ متوسط تكلفة إرسال 200 دولار أمريكي إلى اليمن 3.74%، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 6.62% .
أما ممر المملكة العربية السعودية - اليمن، الذي يُمثّل أكثر من 60% من تدفقات الحوالات المالية المُسجّلة رسميًا، فقد بلغ متوسط تكلفته 2.55% فقط، متجاوزًا بذلك هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة المتمثل في إبقاء تكاليف الحوالات المالية دون 3%.
مع ذلك، فإن انخفاض متوسط التكاليف يخفي تبايناً كبيراً بين مختلف مسارات التحويل. فغالباً ما تظل التحويلات من الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة عبر القنوات المصرفية الرسمية أكثر تكلفة وأقل سهولة، لا سيما بالنسبة للمغتربين الذين يواجهون قيوداً تتعلق بالإقامة أو الوثائق.
ما الذي يمكن أن يتعلمه اليمن من الدول الأخرى المتلقية للتحويلات المالية؟
إن تجربة اليمن ليست فريدة من نوعها. فقد واجهت اقتصادات هشة ونامية أخرى تحديات مماثلة، وتقدم دروساً مفيدة في هذا الصدد.
قامت الصومال وباكستان بإضفاء الطابع الرسمي على تدفقات التحويلات المالية من خلال إصلاحات تنظيمية محددة الأهداف وشراكات مع شركات تحويل الأموال.
واستفادت كينيا والهند من الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول والابتكارات في مجال التكنولوجيا المالية لتوسيع نطاق الوصول وتقليل الاعتماد على التحويلات النقدية.
كما عززت سريلانكا الثقافة المالية، مما مكن الأسر من تحويل التحويلات المالية من الاستهلاك إلى الادخار والتعليم والاستثمار في المشاريع الصغيرة، واتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن الإدارة المالية للأسر.
كذلك أطلقت رواندا برامج استثمارية للمغتربين لتوجيه التحويلات المالية نحو أولويات التنمية الوطنية.
تحسين أنظمة التحويلات المالية والشمول المالي في اليمن
اتخذ البنك المركزي اليمني - عدن في السنوات الأخيرة خطوات لتعزيز نظام التحويلات المالية في اليمن، شملت إصلاحات تنظيمية، والتعاون مع منصات الدفع الإقليمية، وتفعيل نظام الحساب المصرفي الدولي (IBAN)، والمشاركة في نظام بونا الإقليمي للدفع. وانطلاقاً من هذه الجهود، يحدد التقرير الجديد ستة إصلاحات ذات أولوية:
تعزيز دور البنك المركزي اليمني - عدن من خلال تعزيز الشراكات الدولية لاستعادة العلاقات المصرفية العالمية وتوسيع ممرات التحويلات المالية، وإعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية لتحسين السيولة وتقليل الاعتماد على الشبكات غير الرسمية.
تطوير البنية التحتية للاتصالات لدعم الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول وخدمات التحويلات المالية الرقمية، والشراكة مع شركات التكنولوجيا المالية لتطوير حلول تحويلات مالية رقمية آمنة ومنخفضة التكلفة تصل إلى المناطق الريفية وتمكّن من الشمول المالي الرقمي.
تمكين الابتكار الرقمي والمالي من خلال تقليل الحواجز البيروقراطية أمام المغتربين الذين يفتحون حسابات مصرفية، وتبسيط متطلبات اعرف عميلك (KYC)، ودعم اعتماد المحافظ الرقمية ومنصات الدفع عبر الهاتف المحمول لتحسين إمكانية الوصول وخفض التكاليف.
تعزيز الشمول المالي والمعرفة المالية من خلال برامج موجهة لكل من متلقي التحويلات المالية في اليمن والمغتربين في الخارج، وتوسيع نطاق الخدمات المصرفية الريفية للحد من الاعتماد على شبكات تحويل الأموال غير الرسمية.
إنشاء صندوق استثماري للمغتربين لتوجيه التحويلات المالية إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة ومشاريع البنية التحتية، وتقديم حوافز ضريبية وقروض ميسرة لتشجيع المغتربين على الاستثمار في الانتعاش الاقتصادي لليمن.
إعادة بناء ثقة الجمهور في النظام المالي من خلال الشفافية والإفصاح عن الملاءة المالية والمشاركة العامة لاستعادة الثقة في العمل المصرفي الرسمي.
دور التحويلات المالية في تعافي اليمن
لا يمكن للتحويلات المالية وحدها أن تُحدث تحولاً اقتصادياً في اليمن. لكن ضمان تدفقها بشكل آمن وفعّال وبأسعار معقولة يُمكن أن يُساهم في استقرار سُبل عيش الأسر، ودعم توافر العملات الأجنبية، والحد من الاعتماد على آليات التكيف التي تُفرضها الأزمات. وفي ظل محدودية المساعدات وتفتت الحوكمة، تبقى التحويلات المالية من بين التدفقات المالية الخارجية القليلة التي يُمكن التنبؤ بها.
يُعدّ تصميم إصلاحات تحافظ على إمكانية الوصول مع تعزيز المؤسسات أمراً بالغ الأهمية. ومع استمرار مشاركة السلطات اليمنية والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين، يمكن أن تُشكّل التحويلات المالية مكملاً أساسياً لانتعاش اليمن الاقتصادي على المدى الطويل، لا بديلاً عن السلام أو التنمية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news