في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بـ يوم الصحة العالمي بوصفه محطة لتعزيز التقدم في القطاع الصحي، يواصل اليمن مواجهة واقع صحي هش، تتراجع فيه مؤشرات التعافي، في ظل نظام يعاني من ضغوط متراكمة وأوبئة تتسع رقعتها بدلًا من انحسارها.
ورغم إعلان منظمة الصحة العالمية سعيها إلى ترسيخ العلم كخط دفاع أول لحماية الأرواح في اليمن، إلا أن التحديات الميدانية لا تزال تحصر الجهود في إطار إدارة الأزمات المتكررة، ضمن منظومة صحية مُنهكة تعتمد على التدخلات الطارئة، وتفتقر إلى الاستقرار، في وقت تفرض فيه أمراض متعددة حضورها، من بينها داء كلابية الذنب المعروف محليًا بـ”داء السوداء”.
وتكشف اللقاءات الأخيرة بين وزارة الصحة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية عن هذا الواقع المعقد، حيث تركزت النقاشات على تعزيز أنظمة الترصد الوبائي وتسريع الاستجابة للحالات الطارئة، بالتوازي مع إطلاق حملات لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب موسم تكاثر البعوض خلال فصل الصيف.
وأكد الجانبان، خلال اجتماع ضم قيادات صحية وممثلين أمميين، أهمية توسيع الشراكة لدعم قدرات القطاع الصحي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، ومواجهة الفاشيات الوبائية المتزايدة، في ظل التزام دولي بمواصلة الدعم الفني واللوجستي.
غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تأتي ضمن سياق أكثر تعقيدًا، إذ تشير تقارير أممية إلى أن الأزمة الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض بعينه، بل نتاج تداخل عوامل عدة، أبرزها استمرار الصراع، وتفاقم الكوارث المناخية، واتساع فجوة التمويل.
وبحسب مصادر صحية حكومية، فإن السلطات تتابع تداعيات الأزمات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على القطاع الصحي، وتستعد لطرح خطط طارئة أمام المانحين الدوليين للحصول على دعم عاجل، لمواجهة موجات متوقعة من الأوبئة خلال الفترة المقبلة.
وفي هذا السياق، حذرت المصادر من تصاعد حالات الإصابة بمرضي الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة، مع تسجيل عشرات الإصابات يوميًا، وسط مخاوف من تفاقم الوضع خلال الأيام القادمة.
كما تتزايد المخاوف من عودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة تعز، عقب الأمطار الغزيرة التي خلفت بيئة خصبة لتكاثر البعوض، نتيجة تشكل المستنقعات وتجمع المياه.
وخلال العام الماضي، شهد اليمن موجات متتالية من الأمراض الوبائية، في مقدمتها الكوليرا والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة عبر النواقل، في ظل محدودية القدرة على الاحتواء.
ورغم ذلك، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن التدخلات المبنية على الأدلة ساهمت في تقليل حجم الأضرار، من خلال تشغيل عشرات مراكز علاج الإسهالات، والتعامل مع آلاف الحالات الحرجة، وتنفيذ حملات تطعيم واسعة النطاق شملت ملايين الأشخاص.
كما تم تعزيز أنظمة الترصد الوبائي عبر دعم فرق الاستجابة السريعة، وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، ما أسهم في تسريع اكتشاف الفاشيات وتقليص زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في بيئات هشة.
في المقابل، واجهت المستشفيات ضغطًا كبيرًا خلال فترات التصعيد، مع تدفق أعداد كبيرة من المصابين، في ظل نقص حاد في الأدوية والمعدات، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، ما زاد من تعقيد الوضع الإنساني.
واستجابة لذلك، قدمت المنظمة آلاف الأطنان من الإمدادات الطبية، ودعمت الفرق الجراحية، وساهمت في تشغيل خدمات الإسعاف والطوارئ، بما مكّن المرافق الصحية من مواصلة تقديم الخدمات الحيوية.
إلا أن مصادر صحية تؤكد أن هذه الجهود تظل في إطار “إدارة الأزمة” أكثر من كونها حلولًا مستدامة، في ظل اعتماد شبه كامل على الدعم الخارجي، وتراجع مساهمات بعض المانحين، ما يؤدي إلى اتساع فجوة التمويل.
وتزيد الكوارث المناخية من تعقيد المشهد، حيث أدت الفيضانات إلى تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، ووفرت بيئة مناسبة لانتشار الأمراض، ما استدعى تكثيف التدخلات الطبية وتعزيز حملات مكافحة النواقل.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تبني نهج “الصحة الواحدة”، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خاصة في بلد تتقاطع فيه التحديات البيئية مع ضعف الخدمات الأساسية.
ورغم الصورة القاتمة، تظهر بعض المؤشرات الإيجابية على قدرة النظام الصحي على الصمود، من خلال استمرار تقديم ملايين الخدمات الطبية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين خدمات الولادة الآمنة لعشرات الآلاف من النساء.
كما شهدت برامج مكافحة الأمراض المدارية تقدمًا ملحوظًا، حيث وصلت الحملات الصحية إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات ميدانية مبتكرة، محققة نسب تغطية مرتفعة.
ومن أبرز هذه الجهود، تنفيذ واحدة من أوسع حملات المعالجة الجماعية لمكافحة داء كلابية الذنب، الذي يُعرف عالميًا باسم “العمى النهري”، حيث تمكنت الفرق الصحية من الوصول إلى مجتمعات كانت خارج نطاق الخدمات الصحية لسنوات.
وبحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، لعب المتطوعون المحليون، لا سيما النساء، دورًا محوريًا في إنجاح هذه الحملات، عبر بناء الثقة داخل المجتمعات المحلية، وضمان وصول العلاج إلى الفئات الأكثر احتياجًا، ما يعكس إمكانية الوصول إلى مختلف المناطق رغم التحديات.
وفي المحصلة، يظل القطاع الصحي في اليمن عالقًا بين جهود الإغاثة الطارئة وطموحات التعافي المستدام، في معركة مستمرة مع الأوبئة والتحديات المركبة، بانتظار دعم دولي أكثر استقرارًا يضمن الخروج من دائرة الأزمات المتكررة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news