لسنوات، ظلت وجوه الجنود في عدن، جنوب اليمن، على حالها إلى حد كبير. وينطبق الأمر نفسه عند التوجه إلى محافظة لحج، وعلى طول الساحل الغربي في تعز، حيث لا يزال نفس عناصر قوات المقاومة الوطنية يتمركزون في مواقعهم.
وعلى مدى السنوات الثماني الماضية، عملت قوات المقاومة الوطنية جنباً إلى جنب مع المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة التي كانت تدين لها بالولاء التام.
وفي أواخر ديسمبر الماضي، شاركت القوات في القتال أو دعمت هجوماً ضد القوات المتحالفة مع المجلس القيادي الرئاسي المدعوم من السعودية.
لكن اليوم، حولت قوات المقاومة الوطنية، وهي قوة مناهضة للحوثيين مجهزة تجهيزاً جيداً بقيادة طارق صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، ولاءها إلى المملكة العربية السعودية .
المقاتلون الذين ما زالوا موالين للمجلس الانتقالي الجنوبي وأجندته السابقة المدعومة من الإمارات العربية المتحدة تراجعوا منذ ذلك الحين إلى معقل المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة الضالع وإلى جيوب في لحج.
"نحن نعمل تحت قيادة القوات على الأرض. كنا نتلقى التوجيهات من القوات الإماراتية، لذا كان ولاؤنا لدولة الإمارات. أما اليوم، فنتلقى أوامرنا من السعوديين في عدن، لذا فإن ولاءنا لهم"، هكذا صرّح عمار، وهو جندي مخضرم يبلغ من العمر 49 عاماً انضم إلى الجيش قبل عقدين من الزمن، لموقع ميدل إيست آي.
ينظر عمار إلى التحول في الولاء باعتباره مسألة تتعلق بالتقاليد العسكرية وليس بالأيديولوجية السياسية. يقول "في الجيش، لا نتبع السياسة؛ بل نتبع قائدنا. لو أن كل جندي تصرف بناءً على ما يؤمن به شخصياً فقط، لانزلق الجيش إلى الفوضى".
وتابع:"لقد كنا ممتنين للضباط الإماراتيين، ويسعدنا الآن العمل مع الضباط السعوديين. كلاهما يعمل على إنقاذ اليمن"
الوحدة العسكرية :
تغير الوضع في جنوب اليمن بشكل كبير الشهر الماضي عندما دعمت المملكة العربية السعودية مطلب المجلس القيادي الرئاسي اليمني بسحب القوات الإماراتية، بعد أن استولى المجلس الانتقالي الجنوبي من جانب واحد على أراضٍ كانت تحت سيطرته.
وأعلنت الإمارات العربية المتحدة انسحابها عقب غارة جوية سعودية استهدفت شحنة أسلحة متجهة إلى الانفصاليين. ثم تحركت القوات السعودية بسرعة لاستبدالها في المناطق التي يسيطر عليها المجلس الرئاسي، بما في ذلك عدن ولحج وحضرموت والساحل الغربي، مما أدى إلى تهميش المجلس الانتقالي الجنوبي.
يقول عمار إنه على علم بالتوتر بين السعودية والإمارات في اليمن، لكنه يعتقد أن هذه ليست قضية يجب على عامة الناس أن يهتموا بها، واصفاً إياها بأنها "شأن القيادة".
وأضاف: "مهمتنا هي حماية المدينة. إذا كانت توجيهات قادتنا تخدم هذا الغرض، فعلينا أن نطيعها، بغض النظر عن الجنسية".
أبدى الجنود الذين انضموا إلى الجيش خلال العقد الماضي آراءً مختلفة. فعلى عكس المحاربين القدامى مثل عمار، قالوا إن الوعي السياسي ضروري لتجنب الانجرار إلى "المعارك الخاطئة".
في محافظة لحج، يقف جواد الصبيحي، البالغ من العمر 34 عاماً، عند نقطة تفتيش. وفوقه، يرفرف العلم الوطني اليمني الآن في المكان الذي كان يرفرف فيه "علم الانفصال" الخاص بالمجلس الانتقالي الجنوبي خلال وجود القوات الإماراتية.
وقال الصبيحي إن ثقته في المملكة العربية السعودية تعود إلى عام 2015، عندما تدخلت في الحرب الأهلية اليمنية ضد المتمردين الحوثيين.
وقال لموقع ميدل إيست آي: "كانت الإمارات العربية المتحدة جزءاً من التحالف الذي تقوده السعودية، وكنا موالين لهم لأنهم كانوا يعملون تحت القيادة السعودية وبناءً على طلب الحكومة اليمنية".
وأضاف "بمجرد ظهور الخلافات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، قررنا الوقوف إلى جانب الرياض، لأنها كانت أول من تدخل لدعم اليمن في عام 2015."
وأكد الصبيحي أن زملاءه في القوات باتوا موالين للمجلس الرئاسي وللمملكة العربية السعودية. وأعرب عن أمله في تحسن الوضع في اليمن، لا سيما إذا نجحت السعودية في توحيد مختلف الفصائل العسكرية تحت قيادة واحدة.
وقال الصبيحي: "لطالما كانت القوات العسكرية في المناطق التي يسيطر عليها المجلس الرئاسي منقسمة تحت قيادات مختلفة، لكن السعوديين يعملون الآن على توحيدها تحت قيادة وزارة الدفاع. ستكون هذه خطوة كبيرة نحو جيش موحد".
في الوقت الحالي، لا تزال هذه القوات متشرذمة، وتختلف أجورها بشكل كبير. فبينما يتلقى البعض رواتبهم بالريال السعودي، يتقاضى آخرون، مثل الصبيحي، رواتبهم بالريال اليمني بمعدل أقل بكثير.
وأضاف: "إن توحيد الرواتب في جميع القوات سيكون أمراً حيوياً لوحدة الجيش".
مصلحة الولاء :
يظهر هذا التحول بشكل أوضح في قوات المقاومة الوطنية على طول الساحل الغربي. تلقت القوات، التي كانت في السابق جماعة مدعومة من الإمارات العربية المتحدة، رواتبها من المملكة العربية السعودية في يناير لأول مرة.
وقال أمين راشد، وهو مقاتل في قوات المقاومة الوطنية يبلغ من العمر 38 عاماً: "نحن دائماً مع المملكة العربية السعودية، وخاصة بعد أن رأينا كرمهم هذا الشهر. كنا نخشى أن تتوقف رواتبنا بعد انسحاب الإمارات، لكننا فوجئنا بأن السعوديين يتكفلون بدفع رواتبنا".
لم يقتصر الدعم السعودي على الجانب العسكري فحسب، بل قامت الرياض أيضاً بتمويل رواتب شهر يناير للموظفين الحكوميين في المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الرئاسي، وتولت تمويل المشاريع الإنسانية، بما في ذلك المستشفيات، التي تخلت عنها الإمارات العربية المتحدة فجأة عند انسحابها من اليمن.
لقد سهّلت الدبلوماسية المالية السعودية عملية الانتقال، مما دفع حتى الأصوات المؤيدة سابقاً للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى تغيير موقفها.
صالح العبيدي، الصحفي الذي كان معروفاً بدعمه الشديد للإمارات العربية المتحدة وانتقاده للرياض، ظهر مؤخراً في العاصمة السعودية لتأييد جهودهم.
وقد أثار هذا التحول انتقادات حادة من المتشددين في المجلس الانتقالي الجنوبي مثل صلاح بن لغبر، الذي نشر على فيسبوك: "من الواضح أن الجناح الإعلامي للمجلس الانتقالي الجنوبي كان مجموعة من الانتهازيين المستعدين لبيع أنفسهم والقضية ودماء الشهداء".
لاحظ الصحفي اليمني المخضرم محمد علي أن الحرب قد دمرت مؤسسات اليمن، مما حال دون قدرة الحكومة على دفع الرواتب أو توفير الخدمات الأساسية. ونتيجة لذلك، قال إن دعم الشعب قد تحول نحو المانحين الدوليين.
وقال علي لموقع ميدل إيست آي: "إن الدولة التي توفر الخدمات الأساسية وتدفع رواتب موظفي القطاع العام في اليمن ستحظى حتماً بدعم الشعب. كان هذا الولاء في السابق لدولة الإمارات العربية المتحدة، أما الآن فهو للسعودية. وإذا تدخلت دولة أخرى لتغطية الرواتب، فسيتغير هذا الدعم مجدداً".
وأضاف علي أنه من الصعب الحديث عن "ولاء حقيقي" في السياق الحالي، لأن الولاء الحقيقي يعني دعم قضية أو بلد دون توقع مكاسب شخصية. بدلاً من ذلك، يرى جيشاً ولاؤه يباع ويشترى.
وقال علي: "آمل أن أكون مخطئاً، ولكن عندما تغير القوات العسكرية ولاءها كما رأينا، فإن الأمر لم يعد ولاءً - بل هو عمل مرتزقة".
وبينما عبر عن امتنانه للدعم الفوري الذي قدمته المملكة العربية السعودية، أكد أن موقفه ليس معادياً للسعودية، بل إنه يأمل في حل طويل الأمد يتجاوز المساعدات الخارجية.
وقال: "آمل أن تساعد المملكة العربية السعودية الحكومة اليمنية على استئناف إنتاج وتصدير الوقود. يحتاج اليمن إلى الاعتماد على موارده الخاصة بدلاً من انتظار الدعم الخارجي".
المصدر: ميدل ايست آي البريطاني - ترجمة يمن شباب نت
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news