في واحدة من أكثر مقابلاته عمقاً وصراحة، أطل البطل العالمي اليمني الأصل، نسيم حميد، عبر بودكاست "High Performance"، ليروي قصة الصعود من أزقة شيفيلد إلى عرش الملاكمة العالمية، مؤكداً أنه لم يكن مجرد رياضي، بل كان ظاهرة استعراضية أعادت تعريف "الفن النبيل".
وتحدث نسيم بفخر عن جذوره، واصفاً نفسه بأنه "يمني محبوب صُنع في شيفيلد". وكشف نسيم عن السبب الحقيقي لدخوله عالم الحلبة، مشيراً إلى أن والده دفعه لهذا المسار لمواجهة "العنصرية القاسية" التي تعرضت لها الأسرة في بريطانيا خلال الثمانينيات. وقال بوضوح: "لم يأخذني أبي للملاكمة لأنه يحبها، بل لأننا تأذينا كثيراً، فكان خياري هو الدفاع عن نفسي وعن أخي".
وباعتزاز كبير، تمسك نسيم بهويته كابن لشخص مهاجر جاء من "لاشيء" ليدير دكاناً بسيطاً، مؤكداً: "أنا طفل أتى من الصفر، من أسرة لم تملك الثروات لكنها امتلكت التربية الصحيحة، وهي الثروة الحقيقية، سأظل دائماً ابن ذلك المهاجر الكادح، وهذا فخري الأول".
وفي رسالة بليغة للجيل الصاعد، أعاد نسيم تعريف النجاح، معتبراً أن بطولة العالم ليست القمة، بل إن "الإنجاز الحقيقي" يتمثل في انتشال الأسرة من الفقر وتوفير حياة كريمة لها، وشراء منزل للعائلة والاهتمام بالوالدين وجعلهما فخورين وسعيدين، وتأمين كافة احتياجات الحياة لمن ساندوه في بداياته.
وعلى الصعيد المهني، استذكر نسيم دوره في تغيير "اقتصاديات الملاكمة"، مؤكداً أنه كان أول ملاكم ناشئ يكسر القواعد المالية ويوقع عقوداً ضخمة في سن مبكرة، مما فتح الباب أمام الأجيال اللاحقة للحصول على التقدير المالي الذي يستحقونه وهم لا يزالون في مقتبل العمر.
وأكد أنه تعمد تمزيق السيناريو التقليدي للملاكمة، ولم يلتزم بالأسلوب الكلاسيكي، بل ابتكر حركة جسدية وزوايا قتالية لم يسبقه إليها أحد.
وأوضح أن رغبته لم تكن مجرد حصد الألقاب والميداليات، بل أن يكون "معشوق الجماهير" وشخصية تترك أثراً نفسياً يتجاوز نتيجة النزال.
وبثقة المعهودة، شرح نسيم مفهومه للضربة القاضية، واصفاً إياها باللكمة التي "تأتي من لا مكان وتطفئ الأنوار بالكامل".
وأشار بتهكم إلى أنه لم يختبر قط شعور تلقي تلك الضربة، مؤكداً أن سلاحه السري كان "الإيمان الراسخ" بأن أي خصم يلمسه سيسقط لا محالة.
وشدد "نسيم" على أن التوقيت هو "سيد الموقف" في الحلبة؛ فبدون توقيت مثالي، تصبح القوة الجسدية مجرد جهد ضائع.
وكشف "البرنس" عن قدرة مذهلة في قراءة الخصم، حيث قال إنه كان أحياناً ينظر إلى أقدام الخصم ليعرف بدقة أين ستكون ذقنه في اللحظة التالية. وأكد أن أسلوبه كان "غير قابل للاستنساخ"، لدرجة أن المدربين كانوا يعجزون عن إيجاد شركاء تدريب يقلدون حركاته الغريبة وغير المتوقعة.
وروى نسيم كواليس نزاله الشهير مع ستيف روبنسون، وكيف استخدم "المال" لكشف تردد خصمه. واعتبر أن الخوف من "الأذى الجسدي" والضربة القاضية هو المحرك الحقيقي في عقول المقاتلين، وهو ما كان يلعب عليه بذكاء لزرع صورة الهزيمة في مخيلة خصومه قبل أن يخطوا خطوة واحدة داخل الحلبة.
وأنهى نسيم حديثه بالإشارة إلى أن الوقت قد حان لاستعادة روايته الشخصية، خاصة بعد أن بدأت الأفلام والآخرون يروون قصته بطريقتهم. وقال: "كنت في الماضي أعيش ذروة الاندفاع، واليوم أنا في القمة لكن بهدوء واسترخاء"، مؤكداً استعداده للظهور العام مجدداً لسرد الحقائق كما عاشها.
ورأى معلقون، أن مقابلة نسيم حميد لم تكن مجرد ذكريات رياضية، بل كانت "مانيفستو" للشخصية اليمنية الطموحة التي فرضت نفسها على الثقافة البريطانية والعالمية. رسالته واضحة: الاختلاف هو القوة، والنجاح لا يأتي من اتباع القواعد بل من امتلاك الشجاعة لتحطيمها وإعادة صياغتها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news