البحر الأحمر بين الاختبار والقلق: عودة خجولة للملاحة في ظل تهديدات الحوثيين وتعدد المخاطر
تلوح في أفق البحر الأحمر مؤشرات محدودة على استئناف حركة الملاحة التجارية، إلا أنها تبقى محاطة بحذر شديد يعكس هشاشة المشهد الأمني في واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم. فبين تطلعات شركات الشحن العالمية لإعادة فتح هذا الشريان الحيوي، واستمرار المخاطر الأمنية المركبة، يظل القرار بالعودة الكاملة رهين معادلة معقدة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد.
وفي خطوة وُصفت بأنها اختبار ميداني محسوب، أعلنت شركة الشحن الدنماركية العملاقة «ميرسك» نجاح إحدى سفنها في العبور الآمن عبر مضيق باب المندب والدخول إلى البحر الأحمر. هذه الخطوة جاءت بعد فترة من التهدئة النسبية التي أعقبت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما خفف جزئيًا من منسوب التوتر الإقليمي، دون أن يبدد المخاوف المتراكمة لدى قطاع الشحن الدولي.
وأوضحت الشركة أن السفينة «ميرسك دنفر»، التي ترفع علم الولايات المتحدة وتعمل ضمن خدمة MECL، عبرت المضيق بين 11 و12 يناير 2026، مؤكدة أن العملية تمت بعد تقييم أمني دقيق. وشددت «ميرسك» على أن هذه الرحلة لا تعني استئنافًا واسعًا للملاحة عبر البحر الأحمر أو قناة السويس، بل تأتي ضمن نهج حذر يعتمد على مراجعة مستمرة للمخاطر، في ظل غياب أي إعلان عن رحلات إضافية في المرحلة الحالية.
ورغم هذا التطور، لا تزال البيئة الأمنية في البحر الأحمر شديدة التعقيد. فالهجمات التي تنفذها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران ضد السفن التجارية ما زالت تمثل التهديد الأبرز، إلى جانب عودة نشاط القرصنة الصومالية مستفيدة من حالة الاضطراب الأمني. وتضاف إلى ذلك تحديات حديثة تتعلق بالهجمات السيبرانية التي تستهدف أنظمة إدارة السفن والموانئ، ما يضاعف من هشاشة سلاسل الإمداد العالمية ويرفع تكاليف التأمين والنقل البحري.
وتحذر المنظمة البحرية الدولية من أن المرونة التي أظهرها قطاع الشحن في مواجهة الأزمات الجيوسياسية لا تعني تراجع مستوى الخطر، مؤكدة أن أمن الملاحة البحرية يشكل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي العالمي. وتشدد المنظمة على أن أي إخلال بأمن هذا الممر الحيوي ينعكس مباشرة على التجارة الدولية وسبل عيش ملايين العاملين في قطاع النقل البحري.
ولا تقتصر التهديدات في البحر الأحمر على القرصنة التقليدية، بل تمتد لتشمل انتهاكات خطيرة لحرية الملاحة الدولية، وأنشطة تهريب واتجار غير مشروع، فضلًا عن عمليات عابرة للحدود تقوض منظومة الأمن البحري والقانون الدولي، ما يجعل المنطقة ساحة مفتوحة لتقاطع المخاطر الأمنية والاقتصادية.
وفي مواجهة هذه التحديات، تواصل بعثة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي تنفيذ مهامها الأمنية في المنطقة. وأعلنت البعثة أنها نجحت منذ انطلاق عملياتها في فبراير 2024 في تأمين عبور أكثر من 1440 سفينة تجارية قبالة السواحل الغربية لليمن، من خلال توفير حماية مباشرة ودعم ميداني للسفن العابرة.
كما كشفت البعثة عن تحييد 19 طائرة مسيّرة وزورقين مسيّرين وأربعة صواريخ باليستية كانت تشكل تهديدًا مباشرًا للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب تنفيذ أربع عمليات بحث وإنقاذ أسفرت عن إنقاذ 93 بحارًا، ما يعكس البعد الإنساني المصاحب للجهود الأمنية والعسكرية.
ويرى الكاتب الصحفي المصري محمد حسن عامر أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر يتجاوز كونه أزمة إقليمية، نظرًا لتأثيره المباشر على نحو 13 في المئة من حجم التجارة العالمية. ويؤكد أن تداعيات هذه التهديدات تطال الاقتصاد الدولي برمته، ما يجعل أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة بين دول المنطقة والقوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي.
ويضيف عامر أن استعادة الثقة لدى شركات الشحن العالمية تتطلب معالجة جذور الأزمات في الدول المطلة على البحر الأحمر، خصوصًا اليمن والصومال، ووقف الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لعودة الاستقرار الملاحي. كما يشدد على أهمية ممارسة ضغوط دولية فاعلة لاحتواء سياسات التصعيد التي تغذي التوترات في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية مزمنة.
وبينما تعكس عودة بعض السفن التجارية، وفي مقدمتها سفن «ميرسك»، إشارات أولية على انفراج محدود، إلا أن الصورة العامة تؤكد أن الملاحة في البحر الأحمر لا تزال رهينة حسابات دقيقة وضمانات أمنية لم تكتمل بعد. فاستعادة الحركة إلى مستوياتها الطبيعية تبدو مسارًا طويلًا يتطلب تنسيقًا دوليًا مستدامًا وحلولًا جذرية تتجاوز الاختبارات المؤقتة والتهدئة الهشة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news