في عالم الطبخ الحديث تتسابق الشركات لاختراع أفران ذكية لكن في اليمن يظل "التنور" المحفور في جوف الأرض هو الجهاز الأكثر ذكاءً وعبقرية، فخلف دخان الحفر وصوت اشتعال الحطب، تكمن أسرار كيميائية وطبيعية تجعل من "المندي" و"الحنيذ" تجربة تتجاوز حدود التذوق إلى حدود الانتماء للأرض.
المندي سحر "الندى" المحبوس
لم يأتِ اسم "المندي" من فراغ بل هو مشتق من "الندى"، السر يكمن في الحفرة الأرضية (التنور) التي تُسد ثغراتها بإحكام تام.
الضغط الطبيعي: عندما يُدفن اللحم فوق قدر الأرز في الحفرة، يتحول المكان إلى فرن ضغط طبيعي يقطر دهن اللحم تدريجياً على الأرز بينما يرتفع بخار الأرز ليغلف اللحم ويحافظ على رطوبته.
النتيجة: نضوج كامل يجعل اللحم ينفصل عن العظم بمجرد اللمس مع نكهة "تدخين" خفيفة لا يمكن لمحاكاتها في الأفران الكهربائية.
الحنيذ فلسفة "المرخ" والحرارة الهادئة
بينما يعتمد المندي على البخار يعتمد الحنيذ على الحرارة المباشرة والغطاء النباتي وهنا يبرز البطل الأسطوري: شجر المرخ.
لماذا "المرخ"؟: أغصان هذا النبات ليست مجرد عازل يحمي اللحم من الاحتراق بالجمر بل هي "مُطيب" طبيعي، تحتوي أغصان المرخ على زيوت عطرية فريدة تتحرر بالحرارة فتمنح اللحم نكهة برية لا تقاوم وتكسبه لوناً محمراً جذاباً.
الأواني الفخارية: في بعض المناطق يطبخ الحنيذ داخل "برمة" فخارية تدفن في الحفرة مما يعطي اللحم نكهة "ترابية" غنية تعيد الذاكرة إلى حياة الأجداد البسيطة.
أسرار النكهة: لماذا الفخار والأرض؟
يصر اليمني على هذه الطريقة لثلاثة أسباب جوهرية:
التوزيع الحراري: الفخار والأرض يوزعان الحرارة ببطء وانتظام، مما يمنع احتراق ألياف اللحم ويحافظ على عصارتها الداخلية.
النفس الطويل: الطبخ تحت الأرض يتطلب صبراً (ساعتان إلى ثلاث ساعات)، وهذا "النفس الطويل" هو ما يسمح للنكهات بأن تتمازج بعمق.
الارتباط بالجذور: الأكل من "الميفا" أو "التنور" هو طقس اجتماعي يجمع القبيلة والأسرة، حيث تبدأ المتعة من لحظة فتح الحفرة وتصاعد أعمدة الدخان المحملة بالروائح الشهية.
إن المندي والحنيذ ليسا مجرد "لحم وأرز" بل هما نتاج ذكاء يماني قديم في التعامل مع عناصر الطبيعة (النار، الأرض، النبات)، إنها الطريقة التي يطوع بها اليمني قسوة الجبل وحرارة الصحراء ليصنع منهما مائدة تُصنف اليوم بين أرقى وألذ الوجبات في العالم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news