بالنسبة للمشاهد الغريب، قد تبدو رقصة "البرع" مجرد رجال يقفزون بشكل دائري وهم يلوحون بالخناجر لكن بالنسبة لليمني "البرع" هو البيان العسكري الأول، هو اختبار اللياقة وهو اللغة المشفرة التي تتحدث بها الطبول لتخبر القبائل بموعد النفير أو النصر، إنها الرقصة التي لا تؤدى بـ "الأقدام" فحسب بل بـ "الأنفاس" والجهوزية القتالية.
التدريب العسكري المغلف بالفن
يعود أصل كلمة "برع" إلى "البراعة"، وهي القدرة على استخدام السلاح والمناورة، تاريخياً لم يكن لدى القبائل اليمنية ثكنات عسكرية بالمعنى الحديث فكانت "البرعة" هي البديل الذكي، فالحركات الدائرية السريعة هي محاكاة لعملية "التطويق" والقفزات العالية هي تدريب على تخطي الحواجز وتجنب السهام أما تلويح الجنابي فهو ترويض لعضلات اليد على القتال القريب.
حاشد وبكيل: صراع الإيقاع والشفرة
تعد دقات "الطاسة" (الإيقاع النحاسي) و"المرافع" (الطبول الكبيرة) بمثابة جهاز لاسلكي قديم. واختلاف الدقات بين كبرى قبائل اليمن ليس مجرد تنويع موسيقي، بل هو اختلاف في "العقيدة القتالية":
برع حاشد (الإيقاع الهجومي): يمتاز بالسرعة الخاطفة والخطوات المتلاحقة، الدقات هنا تحفز الأدرينالين لمحاكاة "الهجوم المباغت" (الكر) حيث يطلب الإيقاع من الراقصين التحرك بسرعة تنهك الخصم وتشتت انتباهه.
برع بكيل (إيقاع الثبات): يتسم بالرزانة والهدوء المهيب والوقع الثقيل، الدقات هنا توحي بـ "الصمود" (الفر) وهي تحاكي تنظيم الصفوف وحماية المواقع الجبلية الوعرة حيث القوة في الثبات لا في الركض.
لغة "الطاسة" المشفرة
في "البرع" القائد ليس الراقص، بل هو "الطسّاس" (عازف الإيقاع)، هو من يتحكم في سرعة الميدان؛ فإذا تسارعت دقاته وجب على الراقصين الانتقال من مرحلة الاستعراض إلى مرحلة "الزحف" وإذا توقفت فجأة، فهي إشارة للثبات والترقب إنها سيمفونية عسكرية تُدار بالإشارة والنغم.
البرع في 2026: الهوية المستمرة
رغم تطور أدوات الحرب، لا تزال رقصة البرع هي الحاضر الأقوى في كل عرس ومناسبة وطنية يمنية، إنها الطريقة التي يقول بها اليمني للعالم: "نحن هنا وجاهزيتنا تبدأ من رقصنا"، إنها الرقصة التي تجمع بين هيبة المقاتل ورقة الفنان مما يجعلها واحدة من أكثر الرقصات الشعبية إثارة للرهبة والإعجاب في آن واحد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news