إذا كانت الأغنية التقليدية تبدأ بنص شعري يبحث له الملحن عن نغم فإن "الدان الحضرمي" يقلب الموازين رأساً على عق هنا يولد "اللحن" أولاً من رحم الصمت ثم تأتي الكلمات لترتدي هذا اللحن كالثوب المفصل، هذا الفن العجيب الذي صقله إنسان الوديان في حضرموت ليس مجرد طرب بل هو اختبار حقيقي للذكاء الموسيقي والبديهة الشعرية.
سحر "الدندنة" والهندسة العكسية
تبدأ جلسة الدان بما يُعرف بـ "الدندنة"، وهي أصوات نغمية مجردة (دان.. دانا.. داني) يطلقها المنشد، يرسم من خلالها مساراً لحنياً طويلاً ومعقداً.
في هذه اللحظة يكون الشاعر (مثل الأساطير: حداد بن حسن الكاف أو حسين المحضار) في حالة تركيز قصوى، ليقوم "بهندسة" أبيات شعرية فورية تلتزم بهذا المسار اللحني دون أن يختل الوزن أو يضعف المعنى. إنها عملية "تركيب الكلمات على النغم" في لحظة إبداعية مذهلة.
لماذا يذهل "الدان" علماء الموسيقى؟
يصنف الموسيقيون "الدان" كأحد أصعب الألوان الغنائية لعدة أسباب:
المقامات الفطرية: يعتمد الدان على مقامات موسيقية شرقية شديدة التعقيد، يؤديها فلاحون وبسطاء في وديان حضرموت بفطرة نقية ودون دراسة أكاديمية، وهو ما يسمى بـ "السماع الأصيل".
النفس الطويل والترجيع: يتطلب أداء الدان قدرة فائقة على التحكم في النفس (الزفر) والبراعة في "الترجيع" (التحكم في تذبذبات الحبال الصوتية) لإعطاء النغمة حقها من الشجن والامتداد.
الارتجال الجماعي: جلسة الدان هي عمل جماعي فالمغني يرتجل الأداء، والشاعر يرتجل النص، والجمهور (المستمعون) يشاركون بالصمت المهيب الذي لا يكسره إلا "الآه" عند بلوغ الذروة اللحنية.
الدان فلسفة السمر اليماني
الدان ليس فناً للضجيج أو الرقص، بل هو فن "السمر" والتأمل، في جلسات حضرموت يعد الدان وسيلة لتفريغ الشجن وبث الشكوى ومناجاة الحبيب ومن ميناء المخا وحضرموت، سافر هذا الفن عبر البحار ليصل إلى شرق آسيا والخليج العربي مؤثراً في ألوان غنائية عديدة، لكنه ظل في موطنه الأصلي محتفظاً بسره المكنون.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news