المرضى اليمنيون في مصر معاناة تتجاهلها السفارة ومسؤولية إنسانية غائبة

عدن تايم             عدد المشاهدات : 105 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
المرضى اليمنيون في مصر معاناة تتجاهلها السفارة ومسؤولية إنسانية غائبة

أكاديمي ومحلل سياسي يمني

منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2014 وتفكك مؤسسات الدولة، تدفقت أعداد كبيرة من اليمنيين إلى مصر باعتبارها الملاذ الأقرب والأكثر استيعابًا للجاليات العربية، وكان من بين هؤلاء آلاف المرضى الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للبحث عن العلاج في بيئة صحية مرتفعة التكاليف، ومعقدة الإجراءات، وغياب شبه كامل للدعم الرسمي من الحكومة اليمنية أو سفارتها في القاهرة. هذه المأساة لم تعد ظرفًا استثنائيًا بل تحولت إلى أزمة إنسانية مستمرة منذ أكثر من عقد، يعاني فيها المرضى وأسرهم من استنزاف مادي ومعنوي لا يطاق.

تشكل الأمراض المزمنة والخطيرة مثل السرطان، الفشل الكلوي، أمراض القلب، والجهاز العصبي العمود الفقري لهذه الأزمة، حيث يعتمد اليمنيون في مصر على القطاع الصحي الخاص بشكل شبه كامل. وتصل تكلفة العلاج لبعض الحالات إلى عشرات الآلاف من الدولارات سنويًا، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر اليمنية التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب والنزوح. ويكفي أن ندرك أن جلسات الغسيل الكلوي وحدها قد تكلف مئات الدولارات شهريًا، بينما أدوية السرطان والعلاجات الإشعاعية والكيماوية تقدر بعشرات الآلاف (تقارير منظمة الصحة العالمية، 2023). هذه الأرقام تعني أن كثيرًا من المرضى يضطرون لوقف العلاج في منتصف الطريق، أو البحث عن تبرعات فردية، أو الاستدانة بما لا يستطيعون سداده، فيتحول المرض إلى حكم بالإعدام البطيء.

في قلب هذه المعاناة، يُفترض أن تلعب السفارة اليمنية في القاهرة دورًا محوريًا في حماية رعاياها، لكن الواقع يكشف عن غياب شبه كامل لبرامج منهجية أو خطط واضحة. يقتصر تدخل السفارة غالبًا على إحالات محدودة لحالات استثنائية، دون دعم أو وجود لأي شكل مؤسسي يضمن توفر أدنى مساعدة مالية أو طبية وغياب كلي و انعدام الموارد في ضل غياب العدالة والشفافية في تقديم الدعم. كثير من المرضى وذويهم يشكون من تعقيدات إدارية ووساطات شخصية تطغى على آليات التسهيل والارشاد وتسهيلات الاقامة بعد رفع كلفة الاقامة لليمنيين في مصر، وهو ما يحوّل السفر إلى مصر للعلاج من حق مشروع إلى نكبة مستمرة و مشروطة بتوفر دعم مالي من خارج مصر و يكتنفه تعقيدات التحويل المالي واستلام الحوالات و مخاطر السجن بسبب حيازة العملة وإجراءات الاقامة في مصر.

هذا التقصير لا يمكن اعتباره مجرد عجز مالي فقط، بل يعكس خللاً إداريًا وفسادًا سياسيًا مرتبطًا بانقسام السلطة الشرعية نفسها وصراعاتها الداخلية، التي انعكست بشكل مباشر على أداء بعثاتها الدبلوماسية في الخارج.

وعند مقارنة التجربة اليمنية بتجارب أخرى، تتضح الصورة أكثر. فالسفارة السودانية في القاهرة، رغم ظروف السودان المنهك بالحرب أيضًا، بادرت إلى إنشاء صندوق دعم صحي يغطي تكاليف علاج الفئات الأشد ضعفًا، وتعاونت مع جمعيات خيرية سودانية ومصرية لتوفير أدوية مخفضة للمرضى. السفارة الليبية، التي تمثل دولة تعاني من انقسام سياسي مشابه لليمن، وقعت بروتوكولات رسمية مع مستشفيات كبرى لتخفيض أسعار العلاج، ونجحت في إدراج مئات الحالات ضمن برامج علاجية منظمة. حتى السفارة الفلسطينية، رغم محدودية مواردها، وفرت عبر التنسيق مع منظمات دولية مثل الأونروا والهلال الأحمر آلية لتخفيف الأعباء عن المرضى. هذه النماذج تؤكد أن الحلول ليست مستحيلة، بل إن غيابها في الحالة اليمنية يعكس إرادة سياسية مشلولة أكثر من كونه قصورًا في الإمكانات.

الإعلام اليمني لعب دورًا بارزًا في تسليط الضوء على هذه الأزمة، حيث تناولت قنوات مثل بلقيس والمهرية في تقاريرها الاستقصائية قصصًا مأساوية لمرضى عالقين بين مطرقة المرض وسندان الغربة. هذه القنوات قدمت نماذج مؤثرة لحالات أطفال يعانون من السرطان، وكبار سن يفقدون حياتهم بسبب عدم القدرة على شراء الأدوية، لكنها لم تجد استجابة تليق بحجم الفضيحة الإنسانية من قبل السلطات الرسمية. وعلى الرغم من أن بعض وسائل الإعلام اليمنية الأخرى مثل المهرية و اليمن اليوم و بلقيس وفيرها أشارت في تقاريرها الإنسانية و برامجها إلى معاناة الجالية اليمنية والقادمين للعلاج، إلا أن الهمّ اليمني بقي في الهامش نظرًا لغياب ضغط سياسي منظم من قبل الحكومة الشرعية.

المشكلة في جوهرها ليست فقط أزمة صحية، بل أزمة سياسية وإدارية متجذرة، تعكس عجز الدولة اليمنية عن القيام بأبسط مسؤولياتها تجاه مواطنيها. غياب قاعدة بيانات دقيقة لعدد المرضى وحالاتهم، عدم وجود بروتوكولات تعاون مع المستشفيات المصرية، وغياب صندوق دعم طبي مستقل، كلها مؤشرات على أن المأساة ليست عرضًا عابرًا بل انعكاسًا لانهيار المنظومة الرسمية.

الحلول، رغم تعقيد الأزمة، ليست مستحيلة. المطلوب أولاً إنشاء قاعدة بيانات مركزية تشمل الحالات الأكثر إلحاحًا ومتابعة الحالات و منع سماسرة العلاج من اليمنيين و المصريين من الاستغلال للحالات ووقوع اليمني في جهل الوضع الحالي في مصر وكلفة العلاج و ما هي المستشفيات المصرية المناسبة لهم، حتى يمكن من خلالها توجيه الموارد بشكل عادل وشفاف. ثانيًا، توقيع بروتوكولات تعاون عاجلة وتنفيذها مع عدد من المستشفيات الحكومية والخاصة في مصر لتخفيض أسعار العلاج وضمان الجودة و الشفافية و استمراريته. ثالثًا، تفعيل صندوق دعم طبي يمول من موازنة الدولة اليمنية ويُرفد بتبرعات رجال الأعمال والمغتربين، على أن يخضع لإشراف لجنة مستقلة تضمن الشفافية. رابعًا، ورغم وجود ملحقية طبية لكنها للأسف لا تقوم بدور فاعل أو مهني كا ممثل صحي متخصص ضمن الطاقم الدبلوماسي في السفارة لمتابعة الحالات بشكل مباشر وفعلي، وغياب التنسيق مع المستشفيات المصرية و المنظمات الصحية مثل الصليب الأحمر والهلال الأحمر المصري لتغطية جوانب العجز ومتابعة حالات الفسادوعدم الشفافية والجودة في بعض مستشفيات القطاع الخاص في مصر.

إن استمرار تجاهل هذه الأزمة يمثل وصمة عار على جبين الحكومة الشرعية وسفارتها في القاهرة، ومسؤولية تاريخية وأخلاقية لا يمكن التهرب منها. فاليمنيون الذين وجدوا في مصر ملاذًا بعد أن فقدوا وطنهم لا ينبغي أن يُترَكوا فريسة للمرض والفقر معًا. وإذا كانت الحرب قد سلبت منهم أرضهم، فإن التقصير الرسمي لا يجب أن يسلبهم حقهم في الحياة والعلاج الكريم.

أ.د. عبدالوهاب العوج

أكاديمي ومحلل سياسي يمني

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

ارتباك حوثي غير مسبوق.. والمليشيا توزع قواتها على كل الجبهات

الميثاق نيوز | 1638 قراءة 

عاجل : الإعلام الرسمي يعلن تحرير مديرية نعمان في البيضاء (فيديو)

يني يمن | 1049 قراءة 

هكذا ‏أسقطت السعودية خلال أسبوعين ورقة الابتزاز الأهم من يد المليشيا الحوثية

المشهد اليمني | 1037 قراءة 

بعد وفاة مؤتمنها.. أمانة تضم ذهباً وأرضاً تنتظر صاحبها أو ورثته في تعز

حشد نت | 773 قراءة 

ثلاث محافظات يمنية تشهد اشتباكات قبلية دامية وسط تصاعد الفوضى الأمنية

حشد نت | 635 قراءة 

دولة كبرى تدرس انضماها إلى تحالف السعودية لتأمين البحر الأحمر

نافذة اليمن | 567 قراءة 

شاهد | “مأرب بين حقبتين”.. فيلم وثائقي يرصد التحول الكبير الذي شهدته مأرب خلال عقد من الزمن

بران برس | 567 قراءة 

إجراء إلزامي جديد من الخطوط الجوية اليمنية للمسافرين

الميثاق نيوز | 532 قراءة 

لأول مرة منذ حلّه.. جناح الزّبيدي في "الانتقالي" يهدد السعودية بتحريك تشكيلاته العسكرية.. لماذا الآن؟

الهدهد اليمني | 474 قراءة 

صحيفة عبرية: السعودية تحضّر لتحرك عسكري ضد الحوثيين و3 خيارات ميدانية مطروحة... ماهي؟

المشهد اليمني | 447 قراءة