ثمة سؤال يفرض نفسه، بإلحاح، على كل من يتابع مسار الأزمة اليمنية، وتحديدًا ما يتصل بمستقبل الجنوب وثرواته وموقعه في أي تسوية سياسية مقبلة: إلى أي مدى يمكن الفصل بين حسابات رشاد العليمي والقوى السياسية الشمالية المحيطة به، وبين حسابات عبد الملك الحوثي، عندما يتعلق الأمر بمستقبل الجنوب وثرواته؟
ليس المقصود بهذا السؤال المضاهاة كليا بين الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام أو بحزب الإصلاح، ولا الادعاء بأن هناك تحالفًا معلنًا أو اتفاقًا سريًا موثقًا بين هذه الأطراف. فذلك يحتاج إلى أدلة لا تكفي فيها الانطباعات السياسية. لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل تتناقض المصالح الاستراتيجية لهذه القوى بالضرورة عندما يتعلق الأمر بإبقاء الجنوب ضمن إطار سياسي واقتصادي تظل فيه موارده خاضعة لمركز القرار في الشمال؟
هنا الاحتمال وارد وبقوة و
هنا تكمن المفارقة
فالحرب اليمنية، على الرغم من كل شعاراتها وخطاباتها المتناقضة، أنتجت واقعًا لافتًا: قوى تتقاتل على السلطة في صنعاء، لكنها قد تجد نفسها ــ في لحظات معينة ــ أمام مصلحة مشتركة في عدم تمكين الجنوب من إدارة موارده وثرواته بصورة مستقلة.
وهذه ليست مسألة عاطفية أو مناطقية، بل سؤال سياسي واقتصادي يتعلق بمستقبل الدولة اليمنية وشكل توزيع السلطة والثروة فيها.
لقد ظل النفط والغاز والموانئ والموقع الجغرافي للجنوب عناصر أساسية في الحسابات السياسية اليمنية. ولذلك فإن الصراع على الجنوب ليس مجرد صراع على الجغرافيا، وإنما هو، في جانب مهم منه، صراع على الموارد وعلى من يملك قرار إدارتها وتوزيع عوائدها.
ومن هذه الزاوية يصبح من المشروع التساؤل: هل تريد القوى السياسية الشمالية المتصارعة جنوبًا مختلفًا يمتلك قراره الاقتصادي، أم جنوبًا يُعاد إنتاجه باعتباره مصدرًا للموارد ومجالًا للمناورة السياسية؟
لا كلهم في المصلحة سوى. وسواسية
الاتصالات: السؤال الذي لا يمكن تجاهله
ولعل ملف الاتصالات يقدم نموذجًا يستحق التوقف عنده.
فمنذ سنوات، ظل قطاع الاتصالات أحد أكثر القطاعات حساسية في الصراع اليمني، بسبب ارتباطه بالسيادة والأمن والاقتصاد وبإدارة المعلومات. وحتى الخطاب الرسمي الصادر من وزارة الاتصالات في صنعاء في مارس 2026 أقر بوجود إجراءات تؤدي إلى انقسام الشبكة الوطنية، ودعا إلى وقف ما سماه «الإجراءات التشطيرية للشبكة الوطنية».
لكن السؤال الذي يهم المواطن في مأرب وشبوة والبيضاء والجنوب عمومًا ليس فقط: من يملك شبكة الاتصالات؟
السؤال الأهم هو: لماذا عجزت السلطة المعترف بها دوليًا، طوال هذه السنوات، عن بناء منظومة اتصالات مستقلة وفعالة في المناطق التي تقول إنها تسيطر عليها؟
وماذا يعني استمرار هذا الوضع بالنسبة إلى مفهوم السيادة؟
وإذا صحت الأنباء أو التقديرات المتداولة بشأن إمكانية الاستعانة بشركات مرتبطة برجال أعمال وسياسيين محسوبين على قوى شمالية، ومن بينهم حميد الأحمر، لمعالجة مشكلة الاتصالات في المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين، فإن الأمر يحتاج إلى شفافية كاملة: من هي الشركة؟ وما طبيعة العقد؟ ومن يملك القرار؟ ومن المستفيد اقتصاديًا؟ وهل نحن أمام حل تقني مؤقت، أم إعادة إنتاج لمنظومة احتكارية جديدة؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد خصومة سياسية.
من المستفيد من بقاء الجنوب ضعيفًا؟
المشكلة الأكبر أن الجنوب لا يواجه خصمًا واحدًا بالضرورة، وإنما يواجه تعددًا في مراكز المصالح التي قد تتفق ــ رغم اختلافها ــ على إبقاء موارده خارج سيطرة أبنائه.
الحوثي يريد تثبيت سلطته ومشروعه في مناطق سيطرته، والقوى التقليدية في معسكر الشرعية تريد الحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي، بينما تظل قضية الجنوب معلقة بين مشاريع متعددة لا تمنحه، حتى الآن، ضمانة واضحة لامتلاك قراره وثروته.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:
هل الخلاف بين الحوثي والعليمي هو خلاف على شكل الدولة فقط، أم أنه خلاف على من يملك الدولة ومواردها؟
إذا كان الأول، فإن مستقبل الجنوب ينبغي أن يكون جزءًا من حل سياسي عادل يضمن حقوقه.
أما إذا كان الثاني، فإن الجنوب قد يجد نفسه أمام مشكلة أكبر: صراع بين قوى شمالية متعددة على السلطة والثروة، بينما يبقى الجنوب ــ بثرواته وموانئه وموقعه الاستراتيجي ــ موضوعًا للصراع وليس طرفًا كامل الحقوق في تحديد مستقبله.
ولذلك فإن الحديث عن «تعاون» بين العليمي والحوثي وارد جدا وربما لا يحتاج إلى أدلة،.
فالتاريخ السياسي لا يصنعه التحالفات المعلنة وحدها؛ أحيانًا تصنعه أيضًا المصالح التي تتقاطع في لحظة معينة، حتى بين خصوم يرفعون شعارات العداء لبعضهم بعضًا.
لا نحتاج إلى نظرية مؤامرة
والأخطر على القضية الجنوبية أن تتحول هذه الأسئلة إلى مجرد خطاب تعبوي.
فالجنوب لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة، وإنما يحتاج إلى كشف الحسابات والأرقام والعقود والقرارات.
من يدير النفط؟
من يدير الغاز؟
من يتحكم في الموانئ؟
من يملك شركات الاتصالات؟
أين تذهب الإيرادات؟
من يقرر إعادة تشغيل الحقول؟
ومن يملك حق التعاقد مع الشركات الأجنبية؟
ومن يقرر مستقبل الموارد الطبيعية في حضرموت وشبوة والمهرة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها الصحفي والسياسي والباحث، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
فإذا كانت السلطة الشرعية ترى نفسها ممثلة لكل اليمنيين، فعليها أن تقدم إجابات واضحة عن كيفية إدارة ثروات الجنوب، وأن تثبت بالأفعال لا بالشعارات أن هذه الثروات ليست غنيمة سياسية لأي طرف.
وبالمثل، إذا كان الحوثيون يقولون إنهم يخوضون معركة وطنية من أجل اليمن كله، فعليهم أن يوضحوا موقفهم من حق الجنوب في إدارة موارده وتحديد مستقبله السياسي.
الخلاصة
ربما يكون من المبكر القول إن هناك تحالفًا عليميًا–حوثيًا بالمعنى السياسي المباشر. لكن من الصعب أيضًا تجاهل الأسئلة التي تثيرها بعض النتائج القائمة على الأرض.
فحين تتقاتل القوى على السلطة، ثم تجد مصالحها تتقاطع عند نقطة واحدة، يصبح من واجب الصحافة أن تسأل: من المستفيد؟
والجنوب تحديدًا لا ينبغي أن يقبل أن يتحول مرة أخرى إلى مجرد خزينة مفتوحة لصراعات الآخرين.
فالخلاف الحقيقي ليس بين شمالي وجنوبي، ولا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع أبناء الشمال؛ وإنما هو خلاف حول السلطة والثروة والحق في تقرير المستقبل.
ومن هنا، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: هل يتعاون العليمي مع الحوثي؟
بل:
هل يمكن أن تتفق القوى الشمالية المتصارعة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على إبقاء ثروات الجنوب خارج سيطرة أهله؟
هذا السؤال لا تجيب عنه البيانات السياسية، وإنما تجيب عنه الوقائع: العقود، والإيرادات، وخرائط السيطرة، وقرارات النفط والغاز والاتصالات والموانئ.
وعندما تُقرأ هذه الوقائع مجتمعة، يمكن عندها أن نعرف: هل نحن أمام مجرد صراع شمالي–شمالي على السلطة، أم أمام صراع أوسع على الجنوب وثرواته ومستقبله؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news