وكالات
أثارت تصريحات الصحفي التركي البارز أرطغرل أوزكوك التي شبّه فيها النظام السياسي للرئيس رجب طيب أردوغان بعهد الدكتاتور الإسباني الراحل فرانسيسكو فرانكو، أزمة سياسية وقانونية واسعة في تركيا. وفتحت النيابة العامة في إسطنبول تحقيقاً رسمياً وتلقائياً بحق أوزكوك بتهمة "إهانة رئيس الجمهورية" بموجب المادة 299 من قانون العقوبات التركي.
لم تكن تصريحات الصحفي المخضرم ورئيس التحرير السابق لصحيفة "حرييت"، مجرد نقد عابر، بل تحولت إلى قضية رأي عام ومحور استقطاب حاد في تركيا. أوزكوك، الذي تحدث في برنامج حواري، أشار إلى أن النظام الحالي في تركيا "مُصمّم بالكامل حول شخصية طيب أردوغان"، متوقعاً زوال هذا النظام بانتهاء الحقبة السياسية للرئيس، ومستشهداً بانهيار نظام فرانكو الفاشي في إسبانيا بمجرد وفاته.
هذا التشبيه التاريخي فجّر غضباً عارماً لدى النخبة الحاكمة، مما يعكس حساسية مفرطة تجاه مسألة "الشرعية الديمقراطية" وصراع الهوية السياسية في البلاد.
جاءت ردود الفعل من حزب "العدالة والتنمية" سريعة وعنيفة، حيث قاد المتحدث باسم الحزب، عمر تشليك، الهجوم بوصف المقارنة بأنها "إفلاس ذهني وأخلاق وفقدان للعقل والحكمة".وشدد الحزب على أن أردوغان وصل إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية حرة ونال ثقة الشعب في استحقاقات متتالية، بينما وصل فرانكو عبر حرب أهلية وانقلاب عسكري وحكم بالقمع.
كما تم تصوير تصريحات أوزكوك على أنها تعبير عن حنين النخبة العلمانية القديمة إلى عهود الوصاية العسكرية والتدخلات التي عانت منها الديمقراطية التركية تاريخياً.
سارعت السلطات القضائية إلى فتح تحقيق تلقائي ضد أوزكوك بتهمة "إهانة الرئيس". وهي تهمة واجه بسببها آلاف الأشخاص في تركيا ملاحقات قضائية خلال السنوات الماضية.
وتعيد هذه الحادثة تسليط الضوء على بيئة العمل الصحفي في تركيا، حيث ترى المنظمات الحقوقية الدولية والدول الغربية أن استخدام القوانين الفضفاضة، مثل المادة 299، يهدف إلى خنق الأصوات المعارضة وترهيب الصحافة.
على الجانب الآخر، يرى القانونيون الموالون للحكومة أن مقارنة رئيس دولة منتخب بدكتاتور ارتكب جرائم ضد الإنسانية تتجاوز حدود النقد السياسي المسموح به وتدخل في باب الإساءة والتشهير المتعمد.
العمق الحقيقي للأزمة لا يكمن فقط في اللفظ (فرانكو)، بل في الفكرة التي طرحها أوزكوك حول "تلاشي النظام بتلاشي شخصية مؤسسه". هذه النقطة تلمس عصباً حساساً في السياسة التركية الحالية.
وتعاني الديمقراطية التركية من جدل مستمر منذ الانتقال إلى النظام الرئاسي، حيث ترى المعارضة أن النظام أصبح مفرطاً في المركزية (الأردوغانية)، مما يجعل استمرارية الحزب الحاكم بعد أردوغان موضع تساؤل.
وتدرك النخبة الحاكمة أن أي نقاش يربط بقاء الدولة أو النظام ببقاء شخص الرئيس يضعف من مأسسة حزب العدالة والتنمية، ولهذا حرص المتحدث الرسمي باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر تشليك على مهاجمة التلميحات التي تدعي "عدم وجود كيان حقيقي للحزب بدون أردوغان".
تثبت أزمة "تشبيه فرانكو" أن الساحة السياسية التركية لا تزال تعيش حالة استقطاب عميقة وجذرية. فبينما يرى المعارضون والنخبة الليبرالية القديمة في النظام الحالي ملامح حكم فردي متزايد، تتمسك السلطة بالشرعية الانتخابية المطلقة كحصن يحميها من أي مقارنات مع الأنظمة الشمولية الغربية. وفي المحصلة، تظل قنوات التعبير والجدل التاريخي والسياسي في تركيا محفوفة بالخطوط الحمراء التي ترسمها القوانين الصارمة لحماية هيبة الدولة ورئاستها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news