بعد خمسة أشهر من بدء الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، يضيف الحصار الذي يفرضه المتمردون الحوثيون المدعومون من طهران في اليمن على السفن السعودية ممراً مائياً بالغ الأهمية إلى المخاوف الأمنية في المنطقة.
ومؤخراً شنّ الحوثيون هجمات على شركة النفط السعودية الحكومية، وأعلنوا فرض حصار على السفن السعودية، وردت الرياض بإعلان تحالف دفاعي يهدف إلى حماية طرق الشحن والطاقة الدولية في البحر الأحمر.
ووفق تقرير صحيفة واشنطن بوست "تُضيف هذه الخطوة ممرًا مائيًا حيويًا آخر، إلى جانب مضيق هرمز، إلى المخاوف الأمنية الإقليمية، وتُزيد من احتمالية تصعيد الصراع الذي لا يبدو أنه سيُحلّ قريبًا، بل يُحتمل أن يتسع نطاقه مع دخوله شهره السادس".
منذ إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران رداً على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، استخدمت السعودية خط أنابيبها الشرقي الغربي لنقل جزء كبير من نفطها إلى ساحل البحر الأحمر للتصدير عبر مضيق باب المندب، تحت سيطرة مقاتلي الحوثي.
اختبار الخطوط الحمراء :
شكّل ذلك هدفاً بدا مغرياً للغاية بالنسبة للحوثيين، الذين ظلّت رغبتهم في الانخراط في الصراع الأوسع موضع تساؤل. وعلى عكس الجماعات المدعومة من إيران، مثل حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق، فقد امتنعوا إلى حد كبير عن التدخل في الحرب لصالح إيران.
على مدى الأسابيع الماضية، قام الحوثيون بضرب ناقلة نفط ترفع العلم السعودي ومنشأتين نفطيتين على ساحل البحر الأحمر للبلاد، وفقًا لصور الأقمار الصناعية والبيانات الرسمية.
وقال آدم بارون، الباحث في برنامج الأمن المستقبلي في مؤسسة "نيو أمريكا" البحثية في واشنطن، والمتخصص في دراسة الحوثيين: "عندما يكون هناك نمط من اختبار الأفراد لبعضهم البعض وردود أفعالهم، كما يفعل الحوثيون والسعودية، فإن فرصة سوء الفهم تكون سانحة. عندما يتم اختبار الخطوط الحمراء، يكون هناك خطر خروج الأمور عن السيطرة".
بين عامي 2015 و2022، خاض المتمردون الحوثيون في اليمن والسعودية حرباً أوصلت اليمن إلى حافة المجاعة، وساهمت في وفاة مئات الآلاف من اليمنيين، وفقاً لنتائج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتوقفت الحرب بهدنة هشة عام 2022.
وقال أحمد ناجي، كبير محللي اليمن في مجموعة الأزمات الدولية، إن الجهود المبذولة للعودة إلى طاولة المفاوضات بعد تلك الهدنة تعقدت بسبب قرار الحوثيين شن هجمات على إسرائيل وعلى السفن في البحر الأحمر.
وقال ناجي إن قرار الحوثيين هذه المرة بالانخراط في الحرب يعكس كلاً من خلافهم مع المملكة العربية السعودية والتزامهم بدعم إيران.
بدأت جولة التصعيد المستمرة في يوليو، عندما وصلت طائرة من إيران إلى مطار صنعاء الدولي في اليمن، وهو خط أحمر للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وبالنسبة للسعودية مثل هذه الرحلات الجوية تعد خطراً على الأمن القومي.
ثم اتهم الحوثيون السعودية بقصف المطار. وقال ناجي: "كان هذا ذريعة للتصعيد بسبب المطالب المحلية"، مشيراً إلى أن الحوثيين كانوا يدركون أن مثل هذه الرحلات لن تقبلها المملكة العربية السعودية.
وقال إن التوقيت "لا علاقة له بإيران"، مع أنه أشار إلى أن تدخل الحوثيين ربما يفيد كلاً من الحوثيين والنظام الإيراني. وأضاف أنه إذا كانت إيران في الماضي قوةً تُخفف من حدة الحوثيين، فإن هذا الوضع لم يعد قائماً. كما أن الحوثيين يدركون أيضاً أنه إذا ضعفت إيران، "فسيضعفون هم أيضاً بالضرورة".
الحوثيون يريدون تنازلات :
ورأى الباحث محمد الباشا، إن الحوثيين يستغلون حالة عدم الاستقرار في المنطقة لمحاولة تغيير الوضع الراهن القائم منذ عام 2022. وقال: "إنهم يعتقدون أن قيمة المضيق قبالة سواحلهم قد تضاعفت أربع مرات بسبب مضيق هرمز. لذا فهذه فرصتهم لزيادة الضغط بسرعة والحصول على ما يريدون".
في المقابل قال حسين البخيتي، المعلق التابع للحوثيين، إن قرار الحوثيين بالتدخل كان قرارهم الخاص، لكنه أضاف أنه "لا عيب" في مساعدة إيران لهم، وقال إن كل ما يتطلبه الأمر هو "مكالمة واحدة" من إيران، وسيقوم الحوثيون بإغلاق مضيق باب المندب بالكامل.
حتى الآن، أوضحوا أن حصارهم يستهدف تحديداً السفن القادمة من السعودية. لكن النتيجة، مع ذلك، كانت ارتفاع أقساط التأمين على جميع السفن بشكل كبير، ما أدى إلى تباطؤ حركة الملاحة عبر المضيق، وفقاً لشركات تتبع البيانات البحرية.
وقال بارون إنه على الرغم من أن وتيرة الضربات ليست قريبة مما كانت عليه قبل عقد من الزمان، عندما كان الحوثيون والسعودية في حرب شاملة، إلا أن تصعيد الأسبوع الماضي "غير مسبوق في السنوات الأخيرة".
وقال: "يريد الحوثيون المزيد من التنازلات، وهم يختبرون الخطوط الحمراء السعودية. كما أنهم يريدون دحض الرواية القائلة بأن الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد أضعفتهم أو جعلتهم عاجزين عن القيام بمثل هذا العمل".
وقال إن المشكلة تكمن في أن كلا الجانبين "يشعران وكأنهما يعيشان تحت تهديد السلاح ... ولا أحد يريد أن يعيش بهذه الطريقة".
استهداف منشآت السعودية :
واستهدف الحوثيين منشأتين على الأقل تابعتين لشركة النفط السعودية، وأظهرت صور الأقمار الصناعية لمصفاة جازان، التي التُقطت نهاية الأسبوع الماضي، عمودًا من الدخان الأسود الكثيف يتصاعد فوق خزان لتخزين النفط.
على بُعد أكثر من 600 ميل جنوبًا على طول الساحل، في مجمع مصفاة ينبع، يضم الميناء الرئيسي لخط أنابيب النفط بين الشرق والغرب، الذي ساعد السعودية على تجاوز الحصار الإيراني لمضيق هرمز.
أظهرت صور الأقمار الصناعية عدة مناطق متغيرة اللون، بما في ذلك ما بدا أنه مبنى طويل داكن اللون، لكن المحللين قالوا إنهم لا يستطيعون تحديد سبب معين لهذه التغيرات. وأعلن الحوثيين إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة على منشأتي ينبع وجازان، اللتين تُكرران مئات الآلاف من براميل النفط يوميًا.
وقالت ندوى الدوسري، وهي باحثة غير مقيمة في معهد الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث في واشنطن، وتدرس اليمن والحوثيين، إن الجماعة انتظرت لدخول الحرب لأنه "لم تكن هناك قيمة استراتيجية في الدخول في المواجهة في وقت سابق".
وقالت: "تميل إيران والحوثيون إلى التصعيد على مراحل، مع الاحتفاظ بخيارات أكثر أهمية إلى حين الحاجة إليها. ويعكس تدخلهم الآن قراراً متعمداً لزيادة الضغط مع الحرص على عدم تفعيل جبهة البحر الأحمر بشكل كامل".
وأشارت الدوسري بأن أهداف الحوثيين حتى الآن تشير إلى "تصعيد متعمد ومتدرج" يهدف إلى ممارسة ضغط اقتصادي كافٍ على السعودية لانتزاع تنازلات وزيادة الضغط على الولايات المتحدة.
لكنها رأت بأن توقفهم قبل الوصول إلى "حملة مستدامة وواسعة النطاق ضد الأراضي السعودية" كان متعمداً. وقالت: "إنهم يشيرون إلى كل من القدرة والعزيمة، مع الحفاظ على خيارات أكثر أهمية في حال اتسع نطاق الصراع أو فشلت الدبلوماسية".
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news