تأملات في الحرب ومداراتها السوسيولوجية (1)

بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 8 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
تأملات في الحرب ومداراتها السوسيولوجية (1)

من وحي ندوة “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح” في غرفة 19 الثقافية

تُعد الحرب، من منظور علم الاجتماع السياسي، ظاهرة مركبة تتجاوز كونها مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، أو صراعًا على الحدود والموارد والسلطة. فهي بنية اجتماعية معقدة ارتبطت بتاريخ المجتمعات البشرية منذ بداياتها الأولى، بحيث يمكن القول إن تاريخ الإنسان يتقاطع بدرجة كبيرة مع تاريخ الحروب، كما يتقاطع مع تاريخ بناء الحضارات.

وتشير الخبرة التاريخية إلى أن اندلاع الحروب يؤدي غالبًا إلى إعادة كشف البنى الاجتماعية والقيمية للمجتمع، حيث تتراجع الأطر المعيارية المستقرة، ويبرز سلوك الأفراد والجماعات في صورته الأكثر ارتباطًا بظروف الخوف وعدم اليقين، بما في ذلك أنماط التعاون والصراع، والتضامن والانقسام، والبناء والتدمير.

البارحة جمعتنا غرفة 19 في ندوة “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح” قدمتها الدكتورة ريم برو، باحثة في علم اجتماع والأنثروبولوجيا من لبنان وأدارتها الأستاذة إخلاص فرانسيس. ندوة متميزة؛ اثارت مشكلات حيوية تهمنا جميعا أبرزها: دوافع الحروب، وآليات تحول المجتمعات من أنماط التعايش إلى أنماط العنف، والآثار الاجتماعية الممتدة للحرب على الأفراد والجماعات.

من منظور فلسفة الحضارة ، تُظهر التجارب التاريخية أن فعالية الدولة ومؤسساتها القانونية تمثل عاملًا حاسمًا في استقرار المجتمع. فعندما تتراجع سلطة القانون أو تنهار مؤسسات الضبط الاجتماعي، تزداد هشاشة البنية الاجتماعية، ويضعف التمييز بين القوة والحق، بما يؤدي إلى إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية وفق منطق القوة المباشرة بدلًا قوة الحق المستندة على القواعد القانونية والمؤسسية.

وتؤكد الوقائع التاريخية أن انهيار السلطة السياسية أو ضعفها غالبًا ما يرتبط بارتفاع مستويات العنف الاجتماعي، حيث تتغير أنماط العلاقات بين الأفراد، ويتحول الفضاء الاجتماعي إلى مجال مفتوح للصراع. وفي مثل هذه السياقات، تتراجع وظيفة الدولة بوصفها الجهة المحتكرة لاستخدام العنف المشروع، بحسب ماكس فيبر

وقد استوقفتني ظاهرة الحرب منذ زمن طويل

وتأملتها ورصدت تقسيمات وظيفية عامة للأدوار الاجتماعية خلال النزاعات المسلحة، يمكن تلخيصها في أربع فئات رئيسية:

فالحرب لا تقتصر على كونها حدثًا عسكريًا، بل تمثل عملية إعادة تشكيل شاملة للبنية الاجتماعية، حيث تؤدي إلى إعادة توزيع السلطة، وإعادة إنتاج الهويات الاجتماعية، وتغيير منظومات القيم، وتكوين ذاكرة جماعية جديدة تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء النزاع.

حدثتني أمي الحانية بأن أبي، عبد عوض المحبشي، رحمهما الله، حفر في ذلك العام ملجأً آمنًا في قلب الجبل المطل على قريتنا (بغدة)، أشبه بكهف صغير يتسع لأفراد عائلتنا الصغيرة آنذاك: أبي وأمي، وإخوتي وأخواتي الخمسة، بينما كنت أنا ما أزال في أكثر الأماكن أمانًا التي يحل فيها جنين الإنسان: بطن أمي.

نعم، وُلدت في زمن حرب التحرير من الاستعمار الإنجليزي في عدن، وحرب حصار صنعاء، ثم عشت وشهدت سلسلة مهولة من الحروب الأهلية، الصغيرة منها والكبيرة. بدأت بأول حرب بين الجبهتين القومية والتحرير بعد خروج الإنجليز من عدن بعام واحد فقط، ثم أحداث عام 1968م، ثم مرحلة العنف الثوري المنظم، وما عُرف بالخطوة التصحيحية، وليلة السكاكين الطويلة عام 1969م، ثم حرب الثورة الفلاحية وسياسات التأميم، ثم حرب الحدود بين دولتي عدن وصنعاء عام 1972م، ثم سلسلة الاغتيالات والصراعات السياسية التي قُتل خلالها رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سالم ربيع علي (سالمين)، ورئيس الجمهورية العربية اليمنية إبراهيم الحمدي، ثم أحمد الغشمي، وما تلا ذلك من حرب بين الجمهوريتين عام 1979م.

ثم جاءت الحرب الأهلية في 13 يناير 1986م، وكانت أشد تلك الحروب فتكًا وأعمقها أثرًا في نفسي. كنت يومها طالبًا في السنة الثالثة بقسم الفلسفة بكلية التربية العليا في عدن، وأسكن في القسم الداخلي بخور مكسر، فعشت تفاصيل تلك الحرب المجنونة بكل ما حملته من رعب وخسارات، وتركت آثارًا غائرة في النفس والذاكرة، فضلًا عن آثارها الكارثية على الصعيدين الوطني والاجتماعي، وهو ما ليس من أغراض هذه المقالة.

بعد تلك الكارثة، التي فقدت فيها زملاء وأصدقاء أعزاء، تغير كل شيء في حياتي، وأخذت أبحث في معنى الحرب وأسبابها ومسبباتها. فقرأت كتبًا كثيرة، من أبرزها: الأمير لنيقولو مكيافيللي، ومقدمة ابن خلدون، وعُسر الحضارة لسيغموند فرويد، وعن الحرب لكارل فون كلاوزفيتز، وفن الحرب للفيلسوف والاستراتيجي الصيني صن تزو، والحرب والحضارة لأرنولد توينبي، وغيرها من الكتب التي وسعت رؤيتي لهذه الظاهرة الإنسانية المعقدة.

وقد كتب الروائي اليمني حبيب سروري: «من لم يقرأ بعدُ كتاب “فن الحرب” للفيلسوف الاستراتيجي الصيني الشهير صن تزو، الذي كُتب قبل نحو 2500 عام؟». ويضيف: «في رؤية صن تزو، ينبغي أن تتناغم الحرب مع نموذج الطبيعة. واستعارة الماء هنا بالغة الأهمية، إذ تتكرر في مواضع كثيرة من الكتاب. يقول صن تزو: “يسيل الماء على إيقاع تضاريس الأرض، وكذلك يُكتسب النصر بالانسجام مع تغيرات وضع العدو. ليس للماء شكل ثابت، وكذلك ليست للعمليات وصفات جامدة. ومن يستطيع الانتصار بفضل تكيفه مع مختلف التغيرات يستحق أن يُسمى محاربًا إلهيًا”.»

ويستشهد سروري أيضًا بقول الاستراتيجي الصيني الآخر هواي نان تزو، الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد: «كن كالشبح الذي لا يترك أثرًا، وكن كالماء الذي لا يجرحه أحد». (ينظر: حبيب سروري، من لم يقرأ بعدُ “فن الحرب”؟، مقالاتي، 13 مارس 2014).

وقد استهل سروري مقاله بعبارة لصن تزو تلخص فلسفته في الحرب: «يكمن فن الحرب في هزيمة العدو دون مواجهة، ودون أدنى خسارة، ودون قطرة دم… وقبل خوض المعركة ينبغي أن يكون النصر قد تحقق تمامًا».

ومن بين عوامل كثيرة أخرى، كانت الحروب التي عشتها وشاهدت نتائجها دافعًا قويًا للتعمق في الفلسفة الوجودية، التي درستها على يد الدكتور أحمد نسيم برقاوي، من خلال بحث بعنوان “الوجود والماهية عند جان بول سارتر” عام 1995م. وقد أسهمت الفلسفة الوجودية في تقديم إطار تحليلي لفهم التجربة الإنسانية في سياقات عدم الاستقرار، من خلال مفاهيم القلق، والحرية، والمسؤولية، والموت، بوصفها عناصر أساسية في الوجود الإنساني تحت وطأة التهديد المستمر.

لقد كان وقع حياتنا، ولا يزال، وجوديًا بامتياز؛ فالموت كان، وما يزال، يحوم فوق رؤوس الجميع. ومنذ تلك الأيام، وأنا أحفظ أبيات الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى…

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً

وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ

فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها

وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم

كَأَحمَرِ حاشد ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ

قالها قبل 1400 عاما ولا زالت تحتفظ بكل معناها الدقيق في توصيف تلك الظاهرة الاجتماعية التاريخية البشرية بدقة متناهية.

فما هي الحرب؟ وما آثارها؟ وكيف شكلتنا ؟

هذا ما سوف نبحثه في الحلقة التالية غدا لو سلمنا.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

عاجل.. بيان سعودي 

موقع الأول | 1630 قراءة 

القبائل تتحرك ميدانيا نحو جبهات القتال والشرعية تدعم فدغم بإرسال تعزيزات عسكرية

نافذة اليمن | 1118 قراءة 

بعد ​تسريبهم مقطع مصور لزعيمهم..  مليشيا الحوثي تسجن فريق تصوير  عبدالملك الحوثي

موقع الأول | 1042 قراءة 

إنذار أخير في تعز.. 48 ساعة أمام الحوثيين للعودة أو مواجهة العواقب

المشهد اليمني | 803 قراءة 

ساعة الصفر تقترب.. تعزيزات عسكرية كبيرة تتدفق منذ أيام إلى هذه المحافظات اليمنية استعدادًا لإنهاء الانقلاب الحوثي

المشهد اليمني | 578 قراءة 

الداعري يحسم الجدل ويكشف حقيقة امتلاك الجيش اليمني مقاتلات حربية

نيوز لاين | 544 قراءة 

منصة استخباراتية: عبدالملك الحوثي عقد اجتماعا سريا مع مندوب الحرس الثوري في اليمن شهلائي في صعدة... وهذا ما جرى خلاله

المشهد اليمني | 539 قراءة 

القيادي الحوثي صالح هبرة يحذّر من "انفجار عسكري قريب" ويوجه دعوة عاجلة إلى 5 دول عربية لـ إطلاق مبادرة سلام

المشهد اليمني | 523 قراءة 

نبوءة صينية لمستقبل الشرق الأوسط!.. إعلامي كبير في قناة (الجزيرة) يكشف تفاصيلها 

موقع الأول | 454 قراءة 

تحذير عسكري عاجل من القوات المشتركة إلى كافة المواطنين القريبين من جبهات هذه المحافظة

نافذة اليمن | 445 قراءة