شادية الغامدي:*
لم يعد الطريق إلى النجاح كما كان قبل سنوات. فما كان يتطلب زمنًا طويلًا من التعلم والتجربة، أصبح اليوم في متناول اليد عبر شاشة صغيرة. غير أن سهولة الوصول إلى المعرفة لم تجعل النجاح أكثر سهولة، بل جعلت المنافسة أكثر اتساعًا، ومعايير التميز أكثر صعوبة.
لقد منحت التكنولوجيا الجميع الأدوات نفسها تقريبًا؛ مصادر المعرفة، ومنصات التعلم، ووسائل التواصل، وفرص الوصول إلى الأسواق. ومع ذلك، لم ينجح الجميع. وهذا يكشف حقيقة مهمة؛ وهي أن التكنولوجيا لا تصنع الناجحين، وإنما تكشف استعدادهم للاستفادة منها.
وفي خضم هذا التحول، برزت ظاهرة أخرى لا تقل أهمية، وهي الخلط بين الحضور والإنجاز. فقد أصبح من السهل أن يبدو الإنسان ناجحًا، بينما يبقى النجاح الحقيقي مرتبطًا بما يضيفه من قيمة، لا بما يحققه من ظهور. فالمنصات الرقمية قادرة على صناعة الشهرة، لكنها لا تستطيع صناعة الكفاءة، ولا بناء الخبرة، ولا ترسيخ المصداقية.
ولهذا، فإن النجاح في العصر الرقمي لم يعد امتيازًا لمن يملك التقنية، بل لمن يمتلك عقلًا قادرًا على التعلم المستمر، والتكيف مع المتغيرات، وتحويل الأدوات إلى حلول، والفرص إلى منجزات. فالتقنية تمنح الوسيلة، أما النجاح فيبقى ثمرة الرؤية، والانضباط، والإبداع.
ولعل أبرز ما يميز الناجحين اليوم أنهم لا ينشغلون بملاحقة كل جديد، بقدر ما ينشغلون ببناء قدراتهم على استيعاب التغيير. فهم يدركون أن الأدوات ستتغير باستمرار، بينما ستظل قيمة الإنسان فيما يعرفه، وكيف يفكر، وما يقدمه من أثر.
وفي النهاية، قد تختصر التكنولوجيا الوقت، لكنها لا تختصر طريق النجاح. فذلك الطريق لا يزال يبدأ من الإنسان نفسه؛ من فكره، وعمله، وإصراره، لأن المستقبل لن يكون لمن يمتلك أحدث التقنيات، بل لمن يعرف كيف يجعل منها وسيلة لبناء إنجاز يستحق البقاء
* اعلامية سعودية
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news