قمع الفكر والمعتقد.. تقرير حقوقي يوثق الانتهاكات المرتكبة بحق الدعاة والأقليات الدينية في اليمن (2014–2025)

الإصلاح نت             عدد المشاهدات : 24 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
قمع الفكر والمعتقد.. تقرير حقوقي يوثق الانتهاكات المرتكبة بحق الدعاة والأقليات الدينية في اليمن (2014–2025)

  

أكد تقرير حقوقي أن استهداف حرية الفكر والمعتقد في اليمن لم يعد يقتصر على تقييد الممارسات الدينية أو التضييق على المعتقدات المختلفة، بل تطور خلال سنوات النزاع إلى نمط واسع من الانتهاكات التي مست الحق في الحياة، والسلامة الجسدية، والحرية الشخصية، وحرية التعبير، واستهدفت شخصيات دينية ومكونات مجتمعية تنتمي إلى اتجاهات ومعتقدات متعددة.

وكشف التقرير الصادر عن منظمة "رايتس رادار" تحت عنوان "قمع الفكر والمعتقد"، عن أنماط الانتهاكات المرتكبة بحق الدعاة والأقليات الدينية في اليمن خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2014 وحتى ديسمبر 2025، استنادًا إلى عملية رصد وتوثيق اعتمدت على شهادات مباشرة، ووثائق رسمية، ومصادر مفتوحة، ومعلومات ميدانية خضعت للمراجعة والتحقق وفق معايير التوثيق الحقوقي.

وأظهرت البيانات الموثقة أن الانتهاكات لم تستهدف أفرادًا بعينهم بسبب أفعال ارتبطت بالنزاع، وإنما طالت شخصيات دينية واجتماعية تمارس أدوارًا تعليمية أو دعوية أو مجتمعية، إلى جانب أفراد ينتمون إلى أقليات دينية، حيث يشير ذلك إلى اتساع دائرة المخاطر التي تواجه حرية الدين والمعتقد، وتراجع الضمانات الأساسية التي تكفل حماية المدنيين، بمن فيهم علماء الدين وأصحاب الآراء والمعتقدات المختلفة، في بيئة يغيب فيها الإنصاف وتتراجع فيها آليات المساءلة.

ولا تقتصر أهمية هذا التقرير على حصر أعداد الضحايا أو تصنيف الانتهاكات، بل تمتد إلى تحليل الأنماط المتكررة التي تكشف وجود استهداف ممنهج لحرية الفكر والمعتقد في عدد من المحافظات اليمنية، مع إبراز العلاقة بين هذه الانتهاكات والواقع الأمني والقانوني السائد، وتأثيرها المباشر على النسيج الاجتماعي، والتعددية الدينية، وحق الأفراد في ممارسة معتقداتهم دون خوف من التهديد أو الانتقام.

وهدف التقرير إلى توفير قاعدة معلومات موثقة يمكن الاستناد إليها في جهود المناصرة، وتعزيز المساءلة، ودعم الآليات الوطنية والدولية المعنية بحماية حقوق الإنسان، بما يسهم في الحد من الإفلات من العقاب، وضمان احترام الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان تجاه جميع المدنيين، دون تمييز على أساس الدين أو المعتقد.

منهجية التقرير

اعتمد هذا التقرير على منهجية حقوقية قائمة على الرصد والتوثيق والتحقق، بهدف بناء قاعدة بيانات موثوقة حول الانتهاكات المرتكبة بحق الدعاة والأقليات الدينية في اليمن خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2014 وحتى ديسمبر 2025. وارتكزت عملية التوثيق على معايير الدقة والحياد والاستقلال، مع إخضاع جميع المعلومات للمراجعة قبل اعتمادها ضمن قاعدة بيانات التقرير.

واستند فريق الرصد إلى مصادر متعددة لجمع المعلومات، شملت المقابلات المباشرة مع الضحايا وأقاربهم والشهود، والإفادات الميدانية، والوثائق القضائية والطبية المتاحة، إضافة إلى البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، والتقارير الحقوقية والإعلامية، والمصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها. ولم تُدرج أي واقعة ضمن التقرير إلا بعد استكمال الحد الأدنى من متطلبات التحقق، ومقارنة المعلومات الواردة من أكثر من مصدر كلما كان ذلك ممكنًا.

واعتمد التقرير تصنيفًا منهجيًا للانتهاكات وفق طبيعتها القانونية، فشمل حالات القتل، والإصابة، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاعتداء على دور العبادة، وغيرها من الانتهاكات المرتبطة بحرية الفكر والمعتقد. كما جرى تحليل البيانات وفق التوزيع الجغرافي، والفئات المستهدفة، والجهات المنسوب إليها ارتكاب الانتهاكات، وأنماط التنفيذ، بما يسمح برصد الاتجاهات العامة واستخلاص المؤشرات ذات الدلالة الحقوقية.

وراعى فريق التوثيق مبادئ حماية الضحايا والشهود وسرية المعلومات، إذ حُجبت بعض البيانات الشخصية أو التفاصيل التي قد تعرض أصحابها أو ذويهم لأي مخاطر أمنية أو اجتماعية.

كما أُخذ في الاعتبار تعقيد بيئة النزاع وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، الأمر الذي استدعى اتباع إجراءات تحقق إضافية عند التعامل مع الوقائع الواردة من المناطق المغلقة أو عالية الخطورة.

ورغم التحديات المرتبطة باستمرار النزاع، وتقييد الوصول إلى عدد من مواقع الانتهاكات، وامتناع بعض الضحايا أو الشهود عن الإدلاء بشهاداتهم خشية الانتقام، فإن قاعدة البيانات التي بُني عليها هذا التقرير تمثل رصدًا موثقًا للأنماط الرئيسة للانتهاكات خلال فترة التغطية، وتوفر أساسًا موضوعيًا لتحليل واقع حرية الفكر والمعتقد، ودعم جهود المساءلة وحماية الحقوق والحريات الأساسية في اليمن.

التوصيف القانوني

تشكل الانتهاكات الموثقة في هذا التقرير اعتداءات جسيمة على مجموعة من الحقوق والحريات الأساسية التي تكفلها قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية، والحق في الحرية والأمن الشخصي، وحرية الفكر والوجدان والدين، وحرية الرأي والتعبير، والحق في ممارسة الشعائر الدينية دون تمييز أو إكراه. وتظل هذه الحقوق واجبة الاحترام والحماية في جميع الظروف، بما في ذلك أثناء النزاعات المسلحة، ولا يجوز تقييدها أو الانتقاص منها إلا في الحدود التي يجيزها القانون الدولي.

وتندرج حالات القتل خارج نطاق القضاء، والإعدام الميداني، والاغتيالات، والوفاة تحت التعذيب، والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والاعتداءات على دور العبادة والشخصيات الدينية، ضمن الانتهاكات المحظورة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغيرها من الصكوك الدولية ذات الصلة.

كما أن استهداف المدنيين والأشخاص غير المشاركين مباشرة في الأعمال العدائية يمثل خرقًا للقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وما استقر عليه القانون الدولي الإنساني العرفي.

ويؤكد القانون الدولي أن المسؤولية القانونية عن هذه الانتهاكات لا تقتصر على المنفذين المباشرين، وإنما تمتد إلى القيادات والأشخاص الذين أصدروا الأوامر أو خططوا أو سهلوا ارتكابها أو امتنعوا عن منعها رغم قدرتهم على ذلك. كما تتحمل السلطات القائمة بحكم الأمر الواقع، والسلطات الرسمية كل في نطاق سيطرتها الفعلية، واجب حماية السكان المدنيين، وضمان احترام الحقوق الأساسية، وإجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في جميع الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر ضرر الضحايا.

ويتعامل هذا التقرير مع الوقائع الموثقة من منظور قانوني يستند إلى طبيعة الأفعال المرتكبة والأدلة المتوافرة بشأنها، دون إصدار أحكام قضائية أو تحديد المسؤولية الجنائية الفردية، وهي مسؤولية تبقى من اختصاص الجهات القضائية الوطنية والدولية المختصة. ويهدف هذا التوصيف إلى بيان الإطار القانوني الناظم لهذه الانتهاكات، وإبراز الالتزامات الواقعة على عاتق أطراف النزاع بموجب قواعد القانون الدولي، بما يسهم في دعم جهود المساءلة وإنصاف الضحايا ومنع تكرار الانتهاكات.

مئات القتلى والمصابين من الدعاة والأقليات

ووثق التقرير واقع الانتهاكات التي استهدفت الدعاة والأقليات الدينية في اليمن خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2014 وحتى ديسمبر 2025، في سياق نزاع مسلح طال أمده وأدى إلى تراجع منظومة سيادة القانون، واتساع نطاق الانتهاكات المرتبطة بحرية الفكر والمعتقد. ويستند التقرير إلى قاعدة بيانات موثقة جمعتها منظمة رايتس رادار، تضمنت رصدًا وتحليلًا للانتهاكات بحسب نوعها، وتوزيعها الجغرافي، والفئات المستهدفة، والجهات المنسوبة إليها.

وكشفت نتائج الرصد أن الحق في الحياة كان من أكثر الحقوق تعرضًا للانتهاك، حيث وثق التقرير 190 حالة قتل طالت دعاة وأفرادًا من الأقليات الدينية، ارتكبت بوسائل متعددة شملت الاغتيالات، والإعدام الميداني، والقصف، وإطلاق النار، والتعذيب، والتفجير، والقنص. كما وثق التقرير 169 حالة إصابة توزعت على 18 محافظة يمنية، وتفاوتت أسبابها بين الاعتداءات الجسدية، وإطلاق النار، والتفجيرات، والقصف، والقنص، بما يعكس اتساع رقعة المخاطر التي تواجه الشخصيات الدينية والأقليات في مختلف مناطق النزاع.

وتشير البيانات إلى أن الانتهاكات لم تستهدف فئة دينية أو مهنية واحدة، وإنما شملت الأئمة، والخطباء، وحفاظ القرآن، والوعاظ، والفقهاء، والمؤذنين، والعلماء، والمفسرين، إضافة إلى أفراد من الأقليات الدينية، مع تفاوت في حجم الاستهداف بين هذه الفئات.

كما يظهر التحليل الجغرافي تركز نسبة كبيرة من الانتهاكات في المحافظات الواقعة ضمن بؤر الصراع الأكثر حدة، وهو ما يعكس ارتباط أنماط الانتهاكات بخريطة السيطرة العسكرية وتغير موازين القوى خلال سنوات النزاع.

كما يرصد التقرير تعدد الجهات المنسوب إليها ارتكاب الانتهاكات، بما في ذلك جماعة الحوثي، وتنظيم القاعدة، وتشكيلات مسلحة خارج إطار الحكومة، وجهات مجهولة، مع اختلاف أنماط الانتهاكات وأساليب تنفيذها بين كل جهة وأخرى.

ويؤكد ذلك أن الاعتداء على حرية الفكر والمعتقد لم يكن حكرًا على طرف واحد، وإن تفاوتت مستويات المسؤولية وحجم الانتهاكات بين مختلف الأطراف وفق البيانات الموثقة في التقرير.

وخلص التقرير إلى أن استمرار هذه الانتهاكات، في ظل ضعف المساءلة وغياب التحقيقات الفعالة، أسهم في خلق بيئة أكثر خطورة على حرية الدين والمعتقد، وأضعف الحماية القانونية المقررة للشخصيات الدينية والأقليات. وانطلاقًا من ذلك، يدعو التقرير إلى إجراء تحقيقات مستقلة في جميع الانتهاكات، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، وتعزيز حماية دور العبادة والشخصيات الدينية، وصون الحقوق والحريات المكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

الحق في الحياة

يُعد الحق في الحياة حجر الأساس الذي تقوم عليه منظومة حقوق الإنسان، وهو حق أصيل لا يجوز المساس به أو الانتقاص منه تحت أي ظرف، سواء في أوقات السلم أو أثناء النزاعات المسلحة. وقد أولت المواثيق الدولية هذا الحق حماية خاصة، باعتباره الشرط الذي تقوم عليه ممارسة جميع الحقوق والحريات الأخرى، وأوجبت على جميع أطراف النزاع احترامه، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين ومنع الحرمان التعسفي من الحياة.

وخلال سنوات النزاع في اليمن، برزت انتهاكات الحق في الحياة بوصفها إحدى أخطر صور الاعتداء على حرية الفكر والمعتقد، حيث تعرض دعاة وأئمة وخطباء ومعلمو القرآن وأفراد من الأقليات الدينية لعمليات قتل نفذت بوسائل متعددة، شملت الاغتيالات، والإعدام خارج نطاق القضاء، والقصف، وإطلاق النار، والتعذيب المفضي إلى الوفاة، وغيرها من الأساليب التي عكست تصاعد العنف الموجه ضد الشخصيات الدينية والمدنية.

وتظهر البيانات التي وثقتها رايتس رادار أن هذه الجرائم لم تكن حوادث معزولة، وإنما اتخذت أنماطًا متكررة امتدت عبر عدد كبير من المحافظات اليمنية، واختلفت الجهات المنسوب إليها ارتكابها باختلاف مناطق السيطرة، مع وجود تفاوت واضح في حجم الانتهاكات بين الأطراف المختلفة. كما تكشف البيانات أن الاستهداف لم يقتصر على فئة دينية بعينها، بل شمل مختلف الفئات التي تضطلع بأدوار دينية وتعليمية ومجتمعية، إلى جانب أفراد من الأقليات الدينية.

ويستعرض هذا الفصل حجم الانتهاكات المرتبطة بالحق في الحياة من خلال تحليل التوزيع الجغرافي والفئوي للضحايا، والجهات المنسوب إليها ارتكاب هذه الجرائم، وأنماط تنفيذها، قبل الانتقال إلى عرض نماذج موثقة لحالات تعكس طبيعة الانتهاكات والسياق الذي ارتكبت فيه، بما يوفر قراءة شاملة للأنماط السائدة خلال فترة التغطية التي يشملها التقرير.

التوزيع الجغرافي لحالات القتل

وثق فريق رايتس رادار 190 حالة قتل استهدفت الدعاة والأقليات الدينية في اليمن خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2014 وحتى ديسمبر 2025، توزعت على معظم المحافظات اليمنية، بما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للانتهاكات وعدم انحصارها في مناطق أو جبهات قتال محددة. ويشير هذا الانتشار إلى أن استهداف الشخصيات الدينية والأقليات ارتبط بالواقع الأمني ومناطق النفوذ أكثر من ارتباطه بالمواجهات العسكرية المباشرة.

وتكشف البيانات أن محافظة عدن تصدرت المحافظات اليمنية من حيث عدد الضحايا، بعدما سجلت 43 حالة قتل، أي ما يقارب 23% من إجمالي الحالات الموثقة، تلتها محافظة صنعاء بـ29 حالة، ثم محافظة تعز بـ20 حالة، فيما جاءت محافظة حضرموت في المرتبة الرابعة بـ18 حالة، تليها محافظة البيضاء بـ16 حالة.

وتمثل هذه المحافظات الخمس وحدها أكثر من نصف حالات القتل التي وثقها التقرير، الأمر الذي يعكس ارتفاع مستوى المخاطر التي واجهتها الشخصيات الدينية في تلك المحافظات خلال سنوات النزاع.

وفي المقابل، سجلت محافظات أخرى معدلات أقل، حيث وثقت ذمار 11 حالة قتل، وإب 10 حالات، وأبين 9 حالات، والحديدة وشبوة 8 حالات لكل منهما، بينما توزعت بقية الحالات على محافظات مأرب ولحج وعمران وصعدة والجوف والمهرة والمحويت وحجة وأرخبيل سقطرى بأعداد متفاوتة، الأمر الذي يؤكد أن الانتهاكات امتدت إلى مختلف مناطق البلاد، وإن بدرجات متفاوتة.

ويعكس هذا التوزيع الجغرافي تفاوت أنماط العنف باختلاف مناطق السيطرة والسياقات الأمنية، حيث ارتبطت المحافظات الأعلى تسجيلًا لحالات القتل بانتشار الاغتيالات والإعدامات الميدانية والقتل المباشر، في حين ارتبطت محافظات أخرى بحوادث القصف أو التعذيب أو غيرها من أنماط الانتهاكات.

وتوضح هذه المؤشرات أن الحق في الحياة تعرض لانتهاكات واسعة النطاق، تجاوزت حدود المواجهات العسكرية، وطالت شخصيات دينية ومدنية بسبب أدوارها المجتمعية أو انتماءاتها الدينية أو مواقفها الفكرية.

التوزيع الفئوي لحالات القتل

تكشف البيانات الموثقة أن عمليات القتل لم تستهدف فئة دينية بعينها، وإنما طالت مختلف الفئات التي تضطلع بأدوار دينية وتعليمية وإرشادية داخل المجتمع. وقد بلغ إجمالي الضحايا 190 حالة قتل، توزعت بين الخطباء، والأئمة، والوعاظ، وحفاظ القرآن، والمؤذنين، والعلماء، والفقهاء، والمفتين، والمفسرين، إلى جانب أفراد من الأقليات الدينية، بما يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مختلف مكونات البنية الدينية في اليمن.

وتظهر نتائج الرصد أن الخطباء جاؤوا في صدارة الفئات الأكثر استهدافًا، حيث وثق التقرير 62 حالة قتل، بما يمثل نحو 32.6% من إجمالي الضحايا، تلاهم الأئمة بـ45 حالة (23.7%)، ثم الوعاظ بـ37 حالة (19.5%)، بينما سجلت فئة حفاظ القرآن 28 حالة قتل (14.7%).

وتشير هذه المؤشرات إلى أن الاستهداف انصب بصورة رئيسية على الفئات ذات الحضور المباشر في المساجد والمنابر الدينية، وما تمثله من تأثير في تشكيل الوعي الديني والمجتمعي.

كما سجل التقرير 6 حالات قتل في أوساط المؤذنين، و5 حالات بين العلماء، وحالتي قتل في صفوف الفقهاء، إضافة إلى حالة واحدة لكل من المفتين والمفسرين، فضلًا عن 3 حالات قتل طالت أفرادًا من الأقليات الدينية. وتؤكد هذه الأرقام أن الاستهداف لم يقتصر على أصحاب الأدوار الدعوية المباشرة، بل امتد إلى مختلف المرجعيات والشخصيات الدينية، بمن فيهم المنتمون إلى أقليات دينية.

ويعكس هذا التوزيع الفئوي نمطًا يتجاوز استهداف الأفراد إلى استهداف الوظيفة الدينية والاجتماعية التي يؤدونها. فاستهداف الخطباء والأئمة والوعاظ وحفاظ القرآن لا يفضي فقط إلى حرمان الضحايا من حقهم في الحياة، وإنما ينعكس كذلك على حرية الخطاب الديني، واستمرارية المؤسسات الدينية، وحق المجتمع في تلقي المعرفة الدينية في بيئة آمنة تكفل التعددية وتحترم حرية الفكر والمعتقد.

تعدد الفاعلين وتفاوت أنماط العنف

أظهرت البيانات الموثقة أن حالات القتل المنسوبة إلى أطراف النزاع توزعت بين ست جهات، شملت جماعة الحوثي، وتنظيم القاعدة، والتشكيلات المسلحة خارج إطار الحكومة الشرعية، وقوات التحالف، والحكومة الشرعية، إضافة إلى جهات مجهولة تعذر تحديد هويتها.

ويعكس هذا التوزيع تعدد الفاعلين في النزاع، وتفاوت أنماط العنف ومستويات المسؤولية المنسوبة لكل جهة خلال الفترة التي يغطيها التقرير.

وتشير نتائج الرصد إلى أن الجهات المجهولة جاءت في مقدمة الجهات المنسوب إليها ارتكاب حالات القتل، بعدد 78 حالة، بما يمثل نحو 41.1% من إجمالي الضحايا، تلتها جماعة الحوثي بـ69 حالة (36.3%)، ثم تنظيم القاعدة بـ19 حالة (10%)، فيما سجلت التشكيلات المسلحة خارج إطار الحكومة الشرعية 18 حالة (9.5%). كما وثق التقرير 5 حالات قتل نسبت إلى قوات التحالف، وحالة واحدة نسبت إلى الحكومة الشرعية.

وتكشف البيانات كذلك عن اختلاف أنماط القتل بين هذه الجهات، إذ ارتبطت معظم الحالات بعمليات الاغتيال التي شكلت النمط الأبرز، إلى جانب القتل بإطلاق النار، والقصف، والتعذيب، والتفجير، والقنص، وهو ما يعكس تباين الوسائل المستخدمة في ارتكاب الانتهاكات وفقًا لطبيعة كل جهة والظروف الأمنية التي وقعت فيها.

وتبرز هذه النتائج الحاجة إلى تحقيقات مستقلة وفعالة لتحديد المسؤولية القانونية عن جميع الجرائم، ولا سيما الحالات التي نُسبت إلى جهات مجهولة، والتي تمثل النسبة الأكبر من إجمالي الضحايا، بما يضمن الحد من الإفلات من العقاب، وترسيخ مبدأ المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للحق في الحياة.

أنماط القتل

تكشف البيانات الموثقة أن الاعتداء على الحق في الحياة اتخذ صورًا متعددة، عكست طبيعة النزاع وتباين الوسائل المستخدمة في استهداف الدعاة والأقليات الدينية. فقد وثق التقرير 190 حالة قتل توزعت بين الاغتيالات، وإطلاق النار المباشر، والقصف، والتعذيب المفضي إلى الوفاة، والتفجير، والقنص، بما يؤكد أن الحرمان من الحق في الحياة لم يكن محصورًا في نمط واحد من الانتهاكات، وإنما ارتبط بسياقات وأساليب مختلفة.

وتظهر البيانات أن الاغتيال جاء في مقدمة أنماط القتل، حيث سجل 129 حالة، بما يعادل نحو 67.9% من إجمالي الحالات، يليه القتل بإطلاق النار بـ 27 حالة (14.2%)، ثم القتل بالقصف بـ19 حالة (10%)، فيما بلغ عدد الوفيات تحت التعذيب 9 حالات (4.7%)، والقتل بالتفجير 4 حالات (2.1%)، بينما سجل القتل بالقنص حالتي قتل (1.1%).

وتشير هذه النتائج إلى أن الاغتيالات مثلت الوسيلة الأكثر استخدامًا في استهداف الشخصيات الدينية، وهو ما يعكس اعتماد أساليب قتل موجهة تستهدف أفرادًا بعينهم، في حين ارتبطت بقية الأنماط بظروف العمليات العسكرية أو ممارسات الاحتجاز والتعذيب أو الاعتداءات المباشرة. كما أن توثيق حالات وفاة تحت التعذيب يثير مخاوف جدية بشأن الانتهاكات التي يتعرض لها المحتجزون، ويفرض ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة لضمان محاسبة المسؤولين عنها.

ويبرز هذا التنوع في أنماط القتل أن الانتهاكات لم تكن نتيجة المواجهات المسلحة وحدها، بل شملت ممارسات استهدفت أشخاصًا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، الأمر الذي يضاعف من جسامة هذه الجرائم ويؤكد الحاجة إلى تعزيز الحماية القانونية للدعاة والأقليات الدينية، وضمان عدم إفلات مرتكبيها من المساءلة.

التوصيات

أظهرت نتائج هذا التقرير أن الانتهاكات التي تعرض لها الدعاة والأقليات الدينية خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2014 وحتى ديسمبر 2025 لم تقتصر على وقائع فردية أو أحداث متفرقة، بل اتسمت بالتكرار والامتداد الجغرافي وتعدد الجهات المنسوب إليها ارتكابها، وشملت طيفًا واسعًا من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والسلامة الجسدية، والحرية الشخصية، وحرية الفكر والمعتقد، وممارسة الشعائر الدينية. كما كشفت البيانات عن استمرار أنماط من الانتهاكات في ظل ضعف آليات الحماية والمساءلة، الأمر الذي أسهم في تعميق حالة الخوف، وتقويض حرية الممارسة الدينية، والإضرار بالتنوع الديني والاجتماعي في اليمن.

وانطلاقًا من النتائج التي خلص إليها التقرير، فإن الحد من هذه الانتهاكات يتطلب استجابة متكاملة تتوزع مسؤوليتها بين أطراف النزاع، والسلطات المختصة، والآليات الدولية، والمجتمع الدولي، ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن حماية الحقوق والحريات الأساسية، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب، وتعزيز احترام القانون الدولي.

وفي هذا السياق، يدعو التقرير جميع أطراف النزاع إلى الوقف الفوري لجميع أشكال الانتهاكات التي تستهدف الدعاة والأقليات الدينية، والامتناع عن استخدام العنف أو الاحتجاز أو التهديد أو التحريض على أساس الدين أو المعتقد، وضمان احترام المدنيين وعدم استهدافهم، مع الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعدم التدخل في ممارسة الشعائر الدينية أو فرض توجهات أو أنشطة مذهبية بالقوة.

كما حث التقرير السلطات اليمنية والسلطات القائمة بحكم الأمر الواقع على اتخاذ إجراءات عملية لضمان المساءلة، تبدأ بفتح تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع الانتهاكات الواردة في هذا التقرير، وملاحقة المسؤولين عنها، والكشف عن مصير المخفيين قسرًا، والإفراج عن المحتجزين تعسفًا بسبب آرائهم أو انتماءاتهم الدينية، إلى جانب توفير الحماية القانونية والأمنية للدعاة وأفراد الأقليات الدينية، وتعزيز التدابير الرامية إلى مكافحة خطاب الكراهية والتحريض على العنف والتمييز.

وأوصى التقرير الأمم المتحدة وآلياتها المختصة، إلى جانب المجتمع الدولي، بمواصلة رصد وتوثيق الانتهاكات المرتبطة بحرية الفكر والمعتقد، ودعم جهود المساءلة الوطنية والدولية، وتقديم الدعم الفني للمؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان، مع ضمان إدراج حماية حرية الدين والمعتقد ضمن أولويات أي مسار سياسي أو حقوقي أو عدالة انتقالية في اليمن.

وفي المقابل، يؤكد التقرير أهمية الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في توثيق الانتهاكات، ونشر ثقافة التسامح والتعددية، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز الوعي المجتمعي بالحقوق والحريات الدينية، بما يسهم في بناء بيئة تحترم التنوع، وتصون الكرامة الإنسانية، وتدعم فرص تحقيق السلام والاستقرار على أسس قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

قمع الفكر والمعتقد.. تقرير حقوقي يوثق الانتهاكات المرتكبة بحق الدعاة والأقليات الدينية في اليمن (2014–2025)

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

ردًا على الهجمات الإرهابية.. السعودية تنفذ ضربات نوعية ضد ميليشيات موالية لإيران في العراق بالتنسيق مع واشنطن

حشد نت | 1776 قراءة 

رويترز تكشف خطة جنونية تعتزم مليشيا الحوثي تنفيذها بالبحر الأحمر

الميثاق نيوز | 1198 قراءة 

بعد أدائها اليمين الدستورية.. العليمي يكلف أفراح الزوبة بأول مهمة

الميثاق نيوز | 1120 قراءة 

طيران حوثي يستهدف قائد اللواء الثاني بمحور صعدة ومصادر تكشف مصيره ومرافقيه

المشهد اليمني | 1017 قراءة 

صدور قرار جمهوري بتعيين سفير للجمهورية اليمنية لدى المملكة العربية السعودية

حشد نت | 989 قراءة 

الكشف عن العقبة الكبرى التي تواجه وساطة مسقط

سما عدن | 872 قراءة 

فدغم يعلن عن تغيّير مسار المطارح لهذا السبب !

يمن فويس | 871 قراءة 

تسوية داخل مجلس القيادة الرئاسي تنهي أزمة التعديل الوزاري وتمهد لاستئناف الاجتماعات

يني يمن | 811 قراءة 

امرأة هشمت رأسه ببلكة.. مقتل قيادي حوثي في عمران والسبب صادم

المشهد اليمني | 780 قراءة 

عملية اغتيال تستهدف قياديًا رفيعاً في مخابرات الحوثيين مع مرافقيه وسط العاصمة صنعاء

مأرب برس | 712 قراءة