في تطور ميداني لافت، تفقد رئيس مجلس السيادة السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، الاثنين 27 يوليو/تموز 2026، القوات المرابطة في الخطوط الأمامية بمنطقتي أم سيالة وجبرة الشيخ بولاية شمال كردفان.
وتأتي زيارة الرئيس "البرهان" بعد أيام من إعلان الجيش السوداني استعادة السيطرة على سلسلة من المناطق الاستراتيجية وفتح الطريق أمام الأبيض، أحد أهم المراكز العسكرية والتجارية في غرب السودان.
ورافق البرهان خلال الزيارة حاكم إقليم دارفور، ووالي شمال كردفان، وقائد قوات درع السودان، في مؤشر على الأهمية التي توليها القيادة السودانية للتطورات المتسارعة في هذا المحور، الذي بات يشكل نقطة التقاء بين معركة تأمين الأبيض ومحاولة إعادة فتح طرق الإمداد باتجاه وسط البلاد وغربها.
ويقول الجيش السوداني إنه استعاد، خلال يوليو الجاري، السيطرة على 8 مناطق ومدن، أبرزها مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق، ومدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، إلى جانب منطقتي أم قرفة وجريج، في سلسلة عمليات قال إنها ألحقت خسائر كبيرة بقوات الدعم السريع.
وفي أحدث بياناتها، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة، في 16 يوليو، أن العمليات المنفذة خلال الفترة من 1 إلى 15 يوليو أسفرت، وفق حصيلتها، عن تدمير 205 عربات قتالية و17 شاحنة عتاد عسكري، والاستيلاء على 21 عربة قتالية، فضلًا عن إسقاط 4 طائرات مسيرة استراتيجية من طراز FH-95.
وبحسب التفصيل الذي أوردته القيادة العسكرية، توزعت العربات التي أعلن الجيش تدميرها بين محاور القتال، بواقع 76 عربة قتالية و17 شاحنة عتاد عسكري في دارفور، و19 عربة في جنوب كردفان، و54 عربة في شمال كردفان، فيما أعلن تدمير 56 عربة أخرى في محور النيل الأزرق والاستيلاء على 21 عربة.
كما أعلن الجيش إسقاط 4 طائرات مسيرة استراتيجية من طراز FH-95 خلال الفترة ذاتها، بينها 3 في محور شمال كردفان وواحدة في محور النيل الأبيض، فيما سبق أن أعلن في 7 يوليو إسقاط طائرة من الطراز نفسه شمال الأندرابة على طريق الصادرات، وفي 13 يوليو إسقاط أخرى شمال غرب مدينة الأبيض.
ولا تتضمن البيانات الرسمية أرقامًا إجمالية للقتلى والمصابين في صفوف قوات الدعم السريع، إذ اكتفت بالحديث عن خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، كما لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من الحصيلة العسكرية المعلنة.
الطريق إلى الأبيض
لكن الأرقام العسكرية ليست وحدها ما يمنح التطورات الأخيرة أهميتها؛ فالموقع الجغرافي للمناطق التي أعلن الجيش استعادتها يجعل المعركة في شمال كردفان ذات أبعاد تتجاوز السيطرة على بلدات منفردة.
فمناطق بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ وأم قرفة وجريجخ تقع على محور يرتبط بطريق الصادرات، الذي يمثل شريانًا بريًا مهمًا بين أم درمان والأبيض، ويمتد تأثيره إلى مناطق غرب السودان.
ومن منظور عسكري، فإن استعادة السيطرة على هذا المحور تمنح الجيش فرصة لإعادة تنظيم حركة القوات والإمدادات، وتحد من قدرة قوات الدعم السريع على استخدام الطرق الممتدة بين وسط السودان وكردفان ودارفور.
كما أن تأمين الطريق يخفف الضغط عن مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، ويمنح الجيش مساحة أوسع لحماية المدينة من محاولات العزل أو الحصار، ويعزز قدرته على نقل الإمدادات والقوات إليها ومنها.
ولهذا، فإن المعركة الحالية تبدو، في جانب مهم منها، معركة على «الطرق» بقدر ما هي معركة على «المدن»؛ فالسيطرة على عقد المواصلات والممرات البرية قد تحدد قدرة كل طرف على الاستمرار في القتال أكثر من السيطرة المؤقتة على منطقة بعينها.
احتفالات الأبيض
وفي مدينة الأبيض، ظهرت مشاهد احتفالية قال الجيش السوداني إنها جاءت بصورة عفوية عقب استعادة السيطرة على أم سيالة وجبرة الشيخ وبارا وأم قرفة وجريجخ.
وتقول الرواية الرسمية إن استعادة هذه المناطق أسهمت في فتح طريق الصادرات وتحسين حركة الغذاء والإمدادات وتعزيز الأمن حول المدينة، وهي تطورات تحمل أهمية مباشرة للسكان في منطقة عانت من تداعيات الحرب وتعطل طرق التجارة والإمداد.
لكن الأهم عسكريًا أن هذه الاحتفالات تأتي في أعقاب سلسلة مكاسب ميدانية قد تمنح الجيش دفعة معنوية وسياسية، وتساعده على تقديم رواية مختلفة للحرب، تقوم على استعادة المدن والطرق وتأمين المدنيين، في مقابل اتهام قوات الدعم السريع بالتسبب في اضطراب الأمن وقطع طرق الإمداد.
ومع ذلك، فإن حجم تأثير هذه المكاسب على الوضع الإنساني والاقتصادي لا يزال بحاجة إلى تقييم ميداني مستقل، خصوصًا أن استمرار القتال في مناطق أخرى قد يبقي الضغوط على حركة السكان والأسواق والإمدادات.
الكرمك.. جبهة مختلفة
وفي الجهة الأخرى من البلاد، تحمل استعادة الكرمك في ولاية النيل الأزرق أهمية استراتيجية مختلفة. فالمدينة تقع بالقرب من الحدود الإثيوبية، والسيطرة عليها تمنح الجيش موقعًا متقدمًا في جنوب شرق البلاد، وتتيح له تعزيز حضوره في منطقة حدودية حساسة، وتقليل قدرة خصومه على استخدام الممرات الحدودية للحركة والإمداد.
وتشير هذه التطورات إلى أن الجيش لا يتحرك على جبهة واحدة، بل يحاول تحقيق مكاسب متزامنة في مناطق متباعدة، من النيل الأزرق شرقًا إلى كردفان ودارفور غربًا، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على قدرته على إدارة خطوط إمداد طويلة وتأمين المناطق التي يستعيدها.
الزحف إلى أم دافوق
وفي مؤشر على احتمال اتساع نطاق العمليات، أعلن رئيس هيئة الأركان السودانية، الفريق أول ركن ياسر عبدالرحمن العطا، أن القائد العام أمر بالزحف نحو أم دافوق، متحدثًا عن تقدم القوات «موجات موجات» حتى استعادة السيطرة على الأراضي السودانية، وفق ما نقلته القوات المسلحة.
وتقع أم دافوق في أقصى جنوب غرب دارفور، على الحدود مع جمهورية إفريقيا الوسطى، وهو موقع يمنحها أهمية تتجاوز حجمها الجغرافي، نظرًا لارتباطها بالممرات الحدودية وشبكات الحركة والإمداد في غرب السودان.
وإذا تحول هذا الإعلان إلى عملية عسكرية واسعة، فإن ذلك قد يعني فتح محور جديد في دارفور، بالتزامن مع العمليات الجارية في كردفان، وهو ما سيضع قوات الدعم السريع أمام ضغوط على أكثر من جبهة.
لكن الوصول إلى أم دافوق ليس مهمة سهلة؛ فالمسافات الطويلة، واتساع دارفور، وطبيعة التضاريس، وضرورة تأمين خطوط الإمداد، كلها عوامل تجعل أي تقدم عسكري في هذا الاتجاه عملية معقدة قد تتطلب وقتًا طويلًا، خصوصًا إذا واجه الجيش مقاومة أو هجمات مضادة.
ماذا بعد كردفان؟
المؤشرات الحالية توحي بأن كردفان قد تكون العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة من الحرب. ففي حال نجح الجيش في تثبيت سيطرته على طريق أم درمان–الأبيض وتأمين المناطق التي أعلن استعادتها، فقد يمتلك مساحة أكبر للتحرك غربًا، والضغط على خطوط الإمداد التي تربط مناطق نفوذ قوات الدعم السريع في دارفور بوسط السودان.
وفي المقابل، قد تسعى قوات الدعم السريع إلى شن هجمات مضادة لاستعادة بعض المناطق أو قطع الطرق التي استعادها الجيش، خصوصًا أن فقدان السيطرة على طرق الإمداد يمثل خطرًا مباشرًا على قدرتها على المناورة العسكرية.
أما إذا تمكن الجيش من الحفاظ على مكاسبه في كردفان، بالتوازي مع تثبيت وجوده في الكرمك، ثم بدأ التحرك باتجاه أم دافوق، فإن خريطة الصراع قد تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها محاولة كل طرف قطع خطوط إمداد الطرف الآخر ومحاصرته جغرافيًا.
ومع ذلك، فإن هذه التطورات لا تعني أن الحرب اقتربت من نهايتها؛ فقوات الدعم السريع لا تزال تحتفظ بنفوذ واسع في دارفور وأجزاء من كردفان، فيما يحتاج الجيش إلى تحويل المكاسب الميدانية السريعة إلى سيطرة مستقرة وقابلة للاستمرار.
وبينما يرفع الجيش سقف تحركاته العسكرية، تبقى المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرته على تثبيت المناطق التي استعادها، وتأمين الطرق الحيوية، ومنع الهجمات المضادة، قبل الانتقال إلى جبهات جديدة.
وعليه، فإن ما جرى في يوليو لا يبدو مجرد سلسلة من الانتصارات المتفرقة، بل محاولة لإعادة رسم الخريطة العسكرية في السودان عبر السيطرة على مفاصل الحركة والإمداد؛ من طريق الصادرات في كردفان، إلى الكرمك على الحدود الشرقية، وصولًا إلى أم دافوق في أقصى غرب البلاد.
وإذا نجح الجيش في تحويل هذه المكاسب إلى واقع مستقر، فقد تصبح كردفان بوابة رئيسية لمرحلة جديدة من الحرب، عنوانها الضغط على العمق اللوجستي لقوات الدعم السريع ومحاولة الوصول إلى مناطق نفوذها في دارفور، بينما ستبقى قدرة الطرف الآخر على شن هجمات مضادة واستعادة الطرق والمواقع عاملاً حاسمًا في تحديد اتجاه المعركة المقبلة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news