لطالما مثلت القبيلة اليمنية إحدى أهم ركائز المجتمع، بما تضطلع به من أدوار اجتماعية ووطنية في حفظ السلم الأهلي، واحتواء النزاعات، وصون الأعراف التي شكلت عبر عقود طويلة جزءًا من الهوية اليمنية. ومع استمرار الصراع في البلاد، برزت تقارير حقوقية تتحدث عن تعرض هذا المكون الاجتماعي لسلسلة واسعة من الانتهاكات التي طالت مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية في عدد من المحافظات اليمنية.
وقد أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريرًا حقوقيًا جديدًا قالت فيه إنها وثقت انتهاكات ارتكبتها جماعة الحوثي بحق القيادات القبلية والاجتماعية خلال الفترة من يناير 2016 وحتى الثلاثين من مارس 2026، معتبرة أن تلك الانتهاكات جاءت ضمن سياسة تستهدف إضعاف البنية القبلية وإخضاعها لسلطة الجماعة.
ووفقًا لما ورد في التقرير، فقد بلغ إجمالي الانتهاكات الموثقة (1937) انتهاكًا توزعت على 13 محافظة يمنية، شملت صنعاء، وأمانة العاصمة، وعمران، وحجة، وصعدة، وريمة، وذمار، وإب، وتعز، والمحويت، والجوف، والبيضاء، والضالع.
وأوضح التقرير أن هذه الانتهاكات تنوعت بين القتل والتصفية الجسدية، والاختطاف والإخفاء القسري، والتعذيب، وتفجير المنازل ونهبها، والاستيلاء على الممتلكات، والتشريد والتهجير القسري، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية والإهانات بحق مشايخ القبائل والرموز الاجتماعية.
حصيلة الانتهاكات
وقد بدأت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريرها بالتأكيد على أن جماعة الحوثي تواصل، منذ سيطرتها على مؤسسات الدولة، تنفيذ سياسة وصفتها بالممنهجة تستهدف تفكيك البنية القبلية وإضعاف دورها التاريخي في المجتمع اليمني. وذكرت الشبكة أن فريقها الميداني وثق (1937) انتهاكًا بحق مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية خلال الفترة الممتدة من الأول من يناير 2016 وحتى الثلاثين من مارس 2026، معتبرة أن هذا الرقم يعكس اتساع نطاق الاستهداف الذي طال القيادات المجتمعية في عدد كبير من المحافظات اليمنية.
وبحسب التقرير فقد توزعت هذه الانتهاكات على 13 محافظة هي صنعاء وأمانة العاصمة، وعمران، وحجة، وصعدة، وريمة، وذمار، وإب، وتعز، والمحويت، والجوف، والبيضاء، والضالع، وهو ما اعتبرته الشبكة مؤشرًا على أن الانتهاكات لم تكن محصورة في منطقة جغرافية بعينها، وإنما امتدت إلى مختلف المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة.
وأوضح التقرير أن قائمة الانتهاكات شملت جرائم القتل والتصفية الجسدية، والسحل والتمثيل بالجثث، والاختطاف والإخفاء القسري، والتعذيب، وتفجير المنازل ونهبها، والاستيلاء على الممتلكات الخاصة، والتشريد والتهجير القسري، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية والإهانات الممنهجة بحق المشايخ والرموز الاجتماعية.
ووفقا لتوصيف الشبكة فإن تنوع هذه الانتهاكات واتساعها يعكس وجود سياسة تهدف إلى تقويض مكانة القيادات القبلية وإضعاف قدرتها على أداء دورها الاجتماعي، بما يفضي إلى إعادة تشكيل العلاقة بين القبيلة والسلطة وفق رؤية الجماعة، وهو ما اعتبره التقرير تهديدًا مباشرًا للبنية الاجتماعية التقليدية التي حافظت لعقود طويلة على قدر من التوازن والاستقرار داخل المجتمع اليمني.
القتل والتصفية الجسدية
وقد أفردت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات مساحة واسعة في تقريرها لتوثيق ما وصفته بالانتهاكات الجسيمة التي استهدفت حياة مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية، معتبرة أن جرائم القتل والتصفية الجسدية تمثل أحد أبرز مظاهر الاستهداف الذي تعرضت له القيادات القبلية خلال السنوات العشر الماضية.
ووفقًا للتقرير فقد رصد الفريق الميداني للشبكة (156) واقعة قتل بحق زعماء القبائل في المحافظات المشمولة بالرصد، وهو رقم قالت الشبكة إنه يعكس حجم المخاطر التي واجهها المشايخ والوجهاء نتيجة مواقفهم أو رفضهم الانصياع لسياسات الجماعة.
ويبين التقرير أن من بين تلك الحالات (49) حالة قتل بالرصاص المباشر أثناء مداهمة منازل الضحايا، وأمام أفراد أسرهم من النساء والأطفال، في مشاهد وصفتها الشبكة بأنها تركت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة داخل الأسر والمجتمعات المحلية. كما وثقت الشبكة، بحسب التقرير، إحراق (16) جثة لمشايخ ووجهاء اجتماعيين عقب مقتلهم، إضافة إلى (29) حالة سحل وتمثيل بالجثث، وهي ممارسات اعتبرت أنها تجاوزت حدود القتل إلى انتهاك كرامة الضحايا حتى بعد وفاتهم.
ويضيف التقرير أنه وثق كذلك اغتيال وتصفية (32) شيخًا قبليًا، معتبرًا أن هذه الحوادث تعكس، وفق رؤية الشبكة، نمطًا متكررًا من استهداف الشخصيات القبلية المؤثرة، مؤكدة أن هذه الوقائع بما تحمله من عنف ورسائل ترهيب، لا تستهدف الأشخاص وحدهم، وإنما تمتد آثارها إلى محيطهم الاجتماعي، بما يؤدي إلى إضعاف مكانة القيادات القبلية وإثارة الخوف في أوساط القبائل، وهو ما اعتبرته جزءًا من سياسة تهدف إلى فرض السيطرة وإسكات الأصوات الرافضة.
إهانات وانتهاكات
وإلى جانب جرائم القتل، يشير تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات إلى أن الانتهاكات بحق مشايخ القبائل لم تقتصر على إنهاء حياتهم، بل امتدت إلى الاعتداءات الجسدية والإهانات والضغوط المستمرة التي تستهدف النيل من مكانتهم الاجتماعية، وذكر التقرير أن الفريق الميداني وثق (43) حالة إصابة طالت مشايخ وشخصيات اجتماعية في حوادث مختلفة، إضافة إلى (63) حالة اعتداء وضرب وإهانة وسوء معاملة، موضحا أن هذه الاعتداءات وقعت في عدد من الحالات داخل منازل المشايخ وأمام أفراد أسرهم، بينما حدثت حالات أخرى في النقاط الأمنية التابعة للجماعة، وهو ما اعتبرته الشبكة محاولة لإذلال القيادات القبلية بصورة علنية وإضعاف مكانتها أمام محيطها الاجتماعي.
كما أشار التقرير إلى أن الانتهاكات شملت الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، فضلًا عن تفجير المنازل ونهبها والاستيلاء على الممتلكات الخاصة، إلى جانب التشريد والتهجير القسري، وهي ممارسات قالت الشبكة إنها تسببت في خسائر إنسانية واجتماعية كبيرة.
ويؤكد التقرير أن هذه الإجراءات لم تكن، بحسب توصيفه، أحداثًا منفصلة، وإنما جاءت ضمن نمط متكرر يستهدف الضغط على الشخصيات القبلية وإخضاعها، وتقليص قدرتها على ممارسة دورها التقليدي في إدارة الشأن الاجتماعي وحل النزاعات، كما ترى الشبكة أن تراكم هذه الانتهاكات انعكس بصورة مباشرة على واقع القبائل، وأدى إلى تراجع حضور عدد من المشايخ والوجهاء في مجتمعاتهم، نتيجة المخاوف الأمنية والضغوط المستمرة.
سياسة الإخضاع
ويرى التقرير الحقوقي أن الانتهاكات الموثقة لا يمكن فصلها عن سياسة أشمل تنتهجها جماعة الحوثي تجاه القبائل اليمنية، وتهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة مع هذا المكون الاجتماعي بما يضمن خضوعه الكامل لسلطة الجماعة، مؤكدا أن الجماعة استخدمت، بحسب ما وثقته الشبكة، سياسة الابتزاز والضغط على المشايخ لإجبارهم على الدفع بالمزيد من أبناء القبائل إلى جبهات القتال، معتمدة على أسلوبي الترغيب والترهيب، وتحويل القبيلة إلى خزان بشري يغذي الحرب، وهو ما اعتبرته الشبكة انتهاكًا لحقوق الإنسان ولِحق المدنيين في الحماية من الإكراه والاستغلال.
ويضيف التقرير أن الجماعة تتعامل مع القبائل بمنطق التراتبية السلالية، وتسعى إلى إلغاء استقلالية القرار القبلي وإخضاع المشايخ لسلطة قادتها، مع معاقبة كل من يرفض الانصياع أو يعترض على سياساتها.
ووفقًا للشبكة فقد أدى هذا النهج إلى إضعاف الدور التاريخي للقبيلة وإحداث تصدعات عميقة في النسيج الاجتماعي، بعد أن كانت القبائل تمثل إحدى ركائز الاستقرار والتوازن داخل المجتمع اليمني.
وبحسب تقييم الشبكة فإن الهدف لا يقتصر على السيطرة الأمنية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق منظومة قائمة على الولاء للجماعة بدلًا من الأعراف والقيم القبلية المتوارثة، كما رأت الشبكة أن استمرار هذا النهج يهدد السلم الأهلي ويقوض أسس التعايش والاستقرار، في ظل تراجع استقلالية القيادات القبلية واتساع دائرة الضغوط التي تتعرض لها في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
نماذج من الاستهداف الميداني
وقد سلّط تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الضوء على عدد من النماذج الميدانية التي قال إنها تعكس طبيعة الانتهاكات المتكررة بحق مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية، معتبرًا أن هذه النماذج ليست حالات فردية معزولة، بل مؤشرات على نمط متكرر من الاستهداف.
ومن أبرز ما أورده التقرير حادثة مشهد سحل والتمثيل بجثمان الشيخ مجاهد قشيرة الغولي في محافظة عمران بعد مقتله عام 2019، رغم كونه أحد القيادات الموالية للجماعة، وهو ما اعتبرته الشبكة دليلًا على أن الاستهداف طال حتى شخصيات خدمت مشروعها، في دلالة على اتساع دائرة العنف وعدم استثنائه لأحد.
كما أشار التقرير إلى أسماء أخرى قال إنها تعرضت لعمليات تصفية أو استهداف، من بينها الشيخ سلطان الوروري، والشيخ محمد الشتوي، ووكيل محافظة إب عبد القادر سفيان، ضمن ما وصفه التقرير بسلسلة من التصفيات الداخلية التي طالت شخصيات قبلية وإدارية.
ووفقًا للشبكة فإن هذه الحوادث تعكس حالة من الاضطراب في العلاقة بين الجماعة والقيادات المحلية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية في إدارة العلاقة مع المشايخ والوجهاء، مضيفا أن ما تعرضت له قبائل حجور في محافظة حجة، وقبيلة آل مسعود في مديرية قيفة بمحافظة البيضاء، يمثل نموذجًا أكثر اتساعًا من الاستهداف الجماعي، حيث تحدث عن حصار وقصف بالطائرات المسيّرة وعمليات عسكرية واسعة، واعتبر أن هذه الوقائع تعكس سياسة عقابية تستهدف القبائل التي تبدي مقاومة أو ترفض الخضوع لسلطة الجماعة، بما يؤدي إلى نتائج إنسانية واجتماعية قاسية، من تشريد وخسائر واسعة في الممتلكات والبنية الاجتماعية.
مخاطر الإفلات من العقاب
وأشارت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات في تقريرها إلى أن الانتهاكات الموثقة بحق القبائل اليمنية ومشايخها تمثل سياسة ممنهجة تهدف إلى تقويض دور القبيلة وإعادة تشكيل المجتمع وفق منظومة الولاء للجماعة، محذرة من أن استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة أو محاسبة يعزز مناخ الإفلات من العقاب، ويشجع على ارتكاب مزيد من الانتهاكات بحق المدنيين والقيادات الاجتماعية.
ودعت الشبكة المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والآليات الدولية المعنية، إلى فرض عقوبات على القيادات الحوثية المتورطة في جرائم القتل والتصفية والإخفاء القسري والتعذيب، والعمل على ضمان الإفراج الفوري عن جميع المختطفين والمخفيين قسرًا، وتسليم جثامين الضحايا إلى أسرهم، كما طالبت الحكومة اليمنية واللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات حقوق الإنسان بتوثيق هذه الانتهاكات بصورة مؤسسية، وتعزيز دور مؤسسات العدالة، وتوفير الحماية للقيادات القبلية والاجتماعية، بما يحد من استهدافها، مؤكدة أن حماية النسيج الاجتماعي اليمني تتطلب، وفق رؤية الشبكة، معالجة جذرية للانتهاكات، ومنع استخدام القبائل كأداة في الصراع المسلح، وإعادة الاعتبار لدورها التاريخي في حفظ التوازن المجتمعي، كما شددت على أن استهداف القبائل لا يقتصر على أفراد بعينهم، بل يمثل تهديدًا مباشرًا لمجمل البنية الاجتماعية في اليمن، محذرة من أن استمرار هذا النهج قد يفاقم حالة الانقسام ويقوض فرص السلام والاستقرار في البلاد.
تحول عنيف
وتخلص الشبكة اليمنية للحقوق والحريات في ختام تقريرها إلى أن ما وثقته من (1937) انتهاكًا خلال الفترة الممتدة من 2016 إلى 2026 يعكس، بحسب تقديرها، حجم التحول العنيف في علاقة السلطة القائمة في مناطق سيطرة الحوثيين مع البنية القبلية التقليدية في اليمن، وأكدت أن القبيلة اليمنية التي كانت تاريخيًا أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي، باتت تواجه ضغوطًا غير مسبوقة تستهدف دورها ورموزها ومرجعياتها الاجتماعية، عبر القتل والاعتقال والإخفاء القسري والابتزاز والتشريد، إضافة إلى استهداف رمزيتها المعنوية داخل المجتمع.
ويشير التقرير إلى أن ما ورد من نماذج ميدانية، مثل قضية الشيخ مجاهد قشيرة الغولي، وحالات الشيخ سلطان الوروري والشيخ محمد الشتوي وعبد القادر سفيان، إلى جانب ما تعرضت له قبائل حجور وآل مسعود، يوضح -وفق الشبكة- أن الاستهداف لم يكن فرديًا أو عابرًا، بل جزءًا من سياق ممتد يعيد تشكيل العلاقة بين القبيلة والسلطة بالقوة والإخضاع، واعتبرت الشبكة أن هذا النهج ساهم في إضعاف النسيج الاجتماعي وإحداث تصدعات عميقة في بنية المجتمع اليمني.
كما شددت الشبكة على أن استمرار هذه الانتهاكات دون محاسبة دولية أو محلية يهدد بإدامة حالة الإفلات من العقاب، ويفتح المجال أمام مزيد من التصعيد والعنف، بما ينعكس سلبًا على فرص التعايش والسلام، ودعت في ختام تقريرها إلى تحرك دولي جاد يضمن حماية المدنيين، ويعيد الاعتبار لدور القبيلة اليمنية بوصفها مكونًا اجتماعيًا أساسيًا، لا يمكن تجاوز دوره في بناء الاستقرار الوطني، وبذلك اختتمت الشبكة تقريرها بالتأكيد على أن حماية الإنسان اليمني تبدأ من حماية بنيته الاجتماعية الأولى، وفي مقدمتها القبيلة.
ذاكرة الدم.. تقرير حقوقي يوثق جراح القبيلة في مناطق سيطرة الحوثيين
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news