تقرير أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عميد المهيوبي:
أعادت الحكومة اليمنية تشكيل اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات، في خطوة فسرت على أنها من أبرز الإجراءات المؤسسية الهادفة إلى استعادة الرقابة على التعاقدات الحكومية، وتعزيز الشفافية، وحماية المال العام بعد سنوات من توقف أعمالها.
ويأتي قرار إعادة التشكيل في 24 يونيو/حزيران الماضي بعدما يزيد على عشر سنوات على توقف أعمالها جراء الحرب التي أعقبت إسقاط جماعة الحوثي المصنفة إرهابية لمؤسسات الدولة في 2014، وفي وقت تواجه فيه المالية العامة ضغوطًا متزايدة نتيجة تراجع الإيرادات وشح الموارد.
في هذا التقرير يستعرض اقتصاديون لـ “يمن ديلي نيوز” أهمية إعادة تشكيل اللجنة، ودورها المتوقع في ضبط الإنفاق وتعزيز المنافسة ومكافحة الفساد، إلى جانب أبرز التحديات التي قد تواجهها، وآراء خبراء حول متطلبات نجاحها في تحقيق أهدافها.
أهمية تشكيل اللجنة
يقول المستشار الاقتصادي بمكتب رئاسة الجمهورية، فارس النجار، إن إعادة تشكيل اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات خطوة متقدمة على طريق الإصلاح المالي والإداري، في ظل الضغوط التي تواجه المالية العامة، وتراجع الموارد، واتساع فجوة الاحتياجات.
ويوضح لـ”يمن ديلي نيوز” أن اللجنة تمثل ركيزة أساسية لحماية المال العام، وترسيخ المنافسة العادلة، والحد من الهدر والفساد في العقود الحكومية.
وأضاف: المشتريات الحكومية تشمل جميع عقود توريد السلع والخدمات وتنفيذ المشاريع، بما في ذلك المقاولات والتشغيل والصيانة والاستشارات، ما يجعلها من أكبر أبواب الإنفاق العام وأكثرها تأثيرًا على كفاءة المالية العامة.
وذكر أن هذا القطاع يُعد من أخطر وأهم أبواب الإنفاق العام في أي دولة، مشيرًا إلى أن التقديرات الدولية تفيد بأن المشتريات الحكومية تمثل عالميًا ما بين 13% و20% من الناتج المحلي الإجمالي، وتصل قيمتها إلى تريليونات الدولارات سنويًا.
أما في الحالة اليمنية، قال النجار إنه ورغم غياب رقم رسمي منشور يحدد حجم المشتريات الحكومية بدقة، فإن بيانات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن إجمالي الإنفاق الحكومي بلغ نحو 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024.
وأردف: “وبالاستناد إلى التجارب الدولية التي تقدر المشتريات الحكومية بنحو ثلث الإنفاق العام في المتوسط، يمكن تقدير حجم هذا الملف في اليمن بنحو 2.5% إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي تقريبًا”.
ولفت مستشار مكتب رئاسة الجمهورية إلى أن هذا الرقم يُعد كبيرًا في اقتصاد يعاني من شح الموارد وتراجع الإيرادات والضغط المستمر على الرواتب والخدمات.
إصلاح اقتصادي مباشر
واعتبر أن إصلاح منظومة المناقصات يمثل إصلاحًا اقتصاديًا مباشرًا، لأن الحد من الهدر والعقود غير الشفافة يتيح توجيه الموارد إلى الخدمات الأساسية والمشاريع التنموية، ويعزز استقرار المالية العامة، خاصة مع استمرار التحديات الاقتصادية وانكماش النشاط الاقتصادي.
ورأى النجار أن اللجنة قادرة على خفض الهدر، والحد من التعاقدات المباشرة والاستثناءات غير المبررة، ورفع كفاءة تنفيذ المشاريع وتحسين جودة الخدمات، إلى جانب تعزيز ثقة المانحين والقطاع الخاص بمنظومة الشراء العام، بما يرسخ المنافسة العادلة ويخفض كلفة المشاريع.
وقال إن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تنسيقًا وثيقًا مع وزارة المالية، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والبنك المركزي، والجهات المنفذة للمشاريع، بالتوازي مع إطلاق منصة إلكترونية موحدة تنشر المناقصات ونتائجها، وتضمن شفافية إجراءات التعاقد وتوسيع مشاركة القطاع الخاص.
ورأى النجار أن مستقبل اللجنة يعتمد على الإرادة السياسية، والاستقلالية المهنية، والشفافية، وأن نجاحها يقاس بحجم الوفورات التي تحققها، ونسبة العقود التي تتم عبر منافسة مفتوحة، ومستوى قدرتها على كشف المخالفات وإحالتها إلى الجهات المختصة.
وحذر من أن التوسع في الاستثناءات أو التعاقدات المباشرة أو تجزئة العقود من شأنه إفراغها من دورها الرقابي.
ودعا النجار إلى إصدار لائحة تنفيذية واضحة، وإنشاء منصة وطنية للمناقصات، وإلزام الجهات الحكومية بخطط مشتريات سنوية، وإعداد سجل وطني للموردين والمقاولين، ونشر تقارير دورية تتضمن مؤشرات أداء وبيانات عن المنافسة والوفورات والمخالفات.
وذكر المستشار الاقتصادي أن مكافحة الفساد في المناقصات تبدأ برقمنة جميع مراحل التعاقد، ونشر المعلومات، وتوحيد الإجراءات، ومنع تضارب المصالح، ومراجعة العقود الاستثنائية.
ونوّه إلى أن أبرز مظاهر الفساد تتمثل في تفصيل شروط المنافسة لصالح جهات محددة، أو تجزئة المشاريع للالتفاف على الرقابة، أو ترسية العقود على شركات غير مؤهلة أو مرتبطة بمراكز نفوذ.
وختم النجار حديثه لـ”يمن ديلي نيوز” بالتأكيد على أن إعادة تشكيل اللجنة قد تمثل نقطة تحول في إدارة المال العام متى اقترنت بإصلاحات مؤسسية حقيقية، لأن كل ريال يُهدر خارج إطار الشفافية ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في تمويل الخدمات الأساسية وتحسين حياة المواطنين.
تحديات وإصلاحات
تواجه اللجنة تحديات متعددة – وفق مراقبين – أبرزها استمرار الانقسام المؤسسي الناتج عن الحرب، وضعف الموارد المالية للدولة، وتراجع القدرات الإدارية في بعض المؤسسات، إضافة إلى احتمالات الضغوط السياسية أو محاولات التأثير على قرارات الترسية.
كما أن عدم استقرار البيئة الاستثمارية قد يحد من حجم المنافسة في بعض المناقصات، خاصة في المشاريع الكبرى.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي إن إعادة تشكيل اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات تكتسب أهمية كبيرة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، رغم أنها جاءت بعد سنوات من التوقف.
وأوضح الفودعي لـ”يمن ديلي نيوز” أن اليمن يواجه تحديًا يتمثل في إدارة الموارد العامة المحدودة بكفاءة ونزاهة، في وقت تعاني فيه المالية العامة من ضغوط حادة وتراجع القدرة على تمويل الخدمات والمشاريع.
وأضاف: اللجنة تمثل إحدى الأدوات المهمة لضبط الإنفاق العام، والحد من الهدر، ومنع إبرام العقود خارج قواعد المنافسة، خاصة في قطاعات الخدمات الأساسية والبنية التحتية والطاقة والمشتريات الحكومية.
وأشار إلى أن تعزيز الشفافية في إجراءات الشراء العام من شأنه رفع ثقة القطاع الخاص والموردين والمانحين، وتحسين فرص الحصول على أسعار عادلة وجودة أفضل في تنفيذ المشاريع.
وأوضح الفودعي أن اللجنة تستطيع تعزيز الشفافية والمنافسة عبر الإعلان الواسع عن المناقصات، ونشر وثائق العطاءات ونتائج الترسية، وتوحيد معايير التأهيل والتقييم، ومنع تضارب المصالح والحد من تجزئة المشاريع، إلى جانب اعتماد آليات واضحة للنظر في الشكاوى والتظلمات.
وبيّن أن أولويات عمل اللجنة ينبغي أن تشمل مراجعة وثائق المناقصات قبل طرحها، والتأكد من سلامة المواصفات الفنية والمالية، ومراجعة نتائج التقييم، وإقرار العقود النهائية، ورفع تقارير دورية عن أعمالها، إضافة إلى تدريب وتأهيل لجان المناقصات، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة للمشاريع والعقود والأسعار والموردين.
عوامل نجاح اللجنة
وحول عوامل نجاح اللجنة قال الخبير الاقتصادي “الفودعي” إن ذلك لا يرتبط بقرار تشكيلها فحسب، وإنما بمدى استقلاليتها وحمايتها من التدخلات السياسية ومراكز النفوذ، وقدرتها على العمل في بيئة مؤسسية منقسمة وموارد مالية محدودة.
واعتبر أن ضعف البيانات، وتداخل الصلاحيات، وضغوط المصالح، وضعف القدرات المؤسسية، وتقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف التنفيذ، تمثل أبرز التحديات التي قد تواجهها.
ورأى الفودعي أن إعادة تفعيل اللجنة بصورة مهنية يمكن أن تسهم في ترشيد الإنفاق العام، وتنشيط قطاع المقاولات والموردين، وخلق فرص عمل مرتبطة بالمشاريع الحكومية.
وختم الفودعي بالتأكيد على أن تحقيق أثر اقتصادي ملموس يتطلب استكمال إصلاحات أوسع في المالية العامة وتعزيز منظومة الرقابة، ونشر المعلومات، وربط الإنفاق بالأولويات التنموية، إلى جانب تفعيل دور الأجهزة الرقابية المختصة.
وأضاف أن إعادة تشكيل اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات تُعد من أبرز الخطوات المؤسسية المنتظرة منذ سنوات، في ظل الحاجة إلى استعادة منظومة الرقابة على التعاقدات الحكومية وتعزيز الشفافية وحماية المال العام.
خمسة تحديات
ومما سبق يخلص الخبيران الاقتصاديان إلى أن هناك خمسة تحديات تواجه عمل اللجنة تتمثل في الانقسام المؤسسي الناتج عن الحرب، والذي قد يعرق توحيد الإجراءات إضافة إلى التدخلات السياسية ومراكز النفوذ.
كما أن من التحديات التي تواجه عمل اللجنة ضعف الموارد والقدرات المؤسسية في ظل شح شح الموارد المالية، وضعف البيانات وتداخل الصلاحيات، والظروف الاقتصادية وتقلبات السوق من أبرزها تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف تنفيذ المشاريع، وغيرها.
نبذة عن اللجنة
تأسست الهيئة العليا للرقابة على المناقصات والمزايدات بموجب القانون رقم (23) لسنة 2007 بشأن المناقصات والمزايدات، بوصفها هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتخضع لإشراف رئيس الجمهورية.
وفي 18 أغسطس/آب 2009، صدر القرار الجمهوري رقم (17) بتعيين أعضاء مجلس إدارتها، قبل أن تتوقف أعمالها منذ عام 2014 جراء “انقلاب” جماعة الحوثي المصنفة إرهابية على الدولة، لتغيب عن المشهد حتى قرار إعادة تشكيلها في يونيو الجاري.
وتتولى الهيئة الإشراف على سلامة إجراءات المناقصات والمزايدات، ومراجعة التقارير المرفوعة من لجان المناقصات في الجهات الحكومية، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بشأنها.
كما تختص بالنظر في الشكاوى والتظلمات المقدمة من المتنافسين، وإصدار التعليمات المنظمة لإجراءات المناقصات، وتنفيذ زيارات ميدانية للتحقق من مدى الالتزام بالقانون، إلى جانب إحالة المخالفات إلى النيابة العامة، وإبلاغ الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد بأي قضايا فساد تتعلق بالمناقصات، مع رفع تقارير دورية إلى رئيس الجمهورية.
مرتبط
الوسوم
اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات
الاصلاحات الأقتصادية
الحكومة اليمنية
نسخ الرابط
تم نسخ الرابط
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news