الجنوب اليمني: خاص
تشهد العاصمة السعودية الرياض حالة من التعثر المستمر في مسار الحوار الجنوبي، على وقع تصاعد الخلافات الجوهرية حول المرجعية السياسية التي سينعقد تحتها المؤتمر المرتقب. وتتصدر هذه الخلافات اتهاماتٌ للمجلس الانتقالي بالسعي لفرض رؤيته السياسية بصورة أحادية، عبر إصراره على حصر الحوار تحت سقف مشروع “استعادة دولة الجنوب”، في مقابل تمسك مكونات جنوبية أخرى برؤى مغايرة، مطالبةً بحوار شامل لا يخضع لإملاءات أي طرف منفرد.
تباين المرجعيات.. وحدة اليمن مقابل “استعادة الدولة”
تكشف المصادر المطلعة عن تباين جوهري حول السقف السياسي الذي سينطلق منه المؤتمر. ففي الوقت الذي يتمسك فيه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، بضرورة عقد الحوار تحت مظلة الدولة اليمنية والمرجعيات الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، وقرار مجلس الأمن رقم 2216؛ يصرّ المجلس الانتقالي خصوصاً الجناح المتمسك بالولاء لـ عيدروس الزبيدي على أن يكون الحوار تحت سقف مشروع “استعادة دولة الجنوب” التي كانت قائمة قبل عام 1990، معتبراً أن هذا السقف غير قابل للنقاش.
وقد أثار هذا الإصرار اعتراضات واسعة من مكونات جنوبية فاعلة، ترى أن فرض نتيجة الحوار مسبقاً يتعارض مع مبدأ الحوار ذاته، ويحدّ بشكل خطير من فرص الوصول إلى توافقات سياسية جامعة تشمل مختلف الأطياف والقوى الجنوبية.
اليافعي ينفي “الإقامة الجبرية” ويتحدث عن إعداد دقيق للحوار
في سياق متصل، خرج الدكتور مختار اليافعي، وزير الشؤون الاجتماعية والعمل وأحد أعضاء المجلس الانتقالي، لينفي بشكل قاطع ما تداولته وسائل إعلام تابعة للانتقالي حول فرض السلطات السعودية إقامة جبرية على قيادات المجلس في الرياض.
وأكد اليافعي في تصريحات لصحيفة عكاظ السعودية بأن “المزاعم بشأن تقييد حركة أعضاء الوفد لا تمت إلى الواقع بصلة”، مشيراً إلى أن التحضيرات الجارية للحوار تحتاج إلى إعداد سياسي وتنظيمي دقيق لضمان نجاحه.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الساحة الجنوبية حراكاً مكثفاً للتحضير للمؤتمر، الذي تسعى الرياض لعقده بمشاركة كافة المكونات الجنوبية دون أي إقصاء.
مخاوف من فرض رؤية أحادية وتهديد لفرص الحوار
يعكس هذا التباين العميق، وفق مراقبين، حجم الانقسام الداخلي في الساحة الجنوبية، حيث يرى منتقدون أن إصرار المجلس الانتقالي على فرض سقف سياسي محدد، رغم كونه مكوناً لا يحظى بشعبية واسعة في جميع المحافظات الجنوبية، يهدد بشكل مباشر فرص نجاح أي حوار جامع.
كما يشير هؤلاء إلى أن محاولات فرض رؤية سياسية واحدة على بقية المكونات، أسهمت في تعميق الخلافات وتأجيل انعقاد المؤتمر، في ظل تمسك أطراف جنوبية متعددة بضرورة أن يكون الحوار مفتوحاً أمام جميع الخيارات، وأن تُناقش كافة القضايا الخلافية بحرية داخل طاولة الحوار، بدلاً من حسمها مسبقاً بقرارات فوقية.
سيناريوهان لمستقبل الحوار.. بين تسوية هشّة وانهيار محتمل
في ضوء هذا المشهد الضبابي، يبدو أن مؤتمر الحوار الجنوبي يقف على مفترق طرق حاد، تتحكم فيه معطيات ميدانية وسياسية وأخلاقية مركبة. يمكن من خلالها استشراف مسارين رئيسيين لما ستؤول إليه الجهود الجارية في الرياض:
السيناريو الأول: تسوية هشّة تحت الضغط الإقليمي
يتمثل هذا السيناريو في نجاح الوساطة السعودية في انتزاع تنازلات شكلية من الأطراف الجنوبية، تسمح بانعقاد المؤتمر بصيغة توافقية فضفاضة تُؤجل البت في القضايا الخلافية الكبرى، وعلى رأسها “سقف الحوار” و”شكل الدولة”. غير أن هذا المسار يبقى مهدداً في أي لحظة، لا سيما في ظل الأعباء الثقيلة التي يحملها المجلس الانتقالي، الذي لم يعد مأزوماً سياسياً وتفاوضياً فحسب، بل بات يواجه معضلة وجودية بفعل الفضائح الأخلاقية والانتهاكات الجسيمة التي تلاحق قياداته. فخلال الأيام القليلة الماضية، هزّت الرأي العام الجنوبي قضايا مكتشفة تتعلق باعتداءات جنسية وانتهاكات مروّعة تُنسب إلى قيادات نافذة في المجلس، ارتُكبت خلال السنوات العشر الماضية، وأُخفيَت قسراً تحت وطأة النفوذ والترهيب.
وقد أعادت هذه الفضائح إلى الواجهة ملفات ظلّت طي الكتمان، كمئات حالات الاختفاء القسري والتعذيب في سجون سرية تديرها أجهزة أمنية موالية للانتقالي، وقضايا الاغتيالات السياسية التي طالت خصومه ومعارضيه داخل المحافظات الجنوبية. هذه التراكمات حوّلت قيادات الانتقالي إلى عبء على أي عملية سياسية، وأفقدتهم الحد الأدنى من المصداقية الأخلاقية اللازمة لقيادة حوار وطني، مما يجعل أي تسوية برعايتهم هشّة ومعرّضة للانهيار عند أول اختبار شعبي أو ضغط في الشارع الجنوبي.
السيناريو الثاني: انهيار الحوار وانكشاف المواجهة
أما المسار الثاني، والأكثر تشاؤماً، فيتمثل في فشل الرياض في تقريب وجهات النظر، وانهيار فكرة المؤتمر بالكامل، لتنتقل الكرة إلى الميدان مجدداً. وهذا السيناريو ليس افتراضياً محضاً، بل تستند فرضيته إلى شواهد قريبة وملموسة. فقبل أيام قليلة فقط، كشفت مصادر مطلعة في عدن عن محاولة انقلابية مدبّرة قادتها أذرع عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي، تحركت للإطاحة بالحكومة الشرعية في عدن، عبر إعادة إنتاج سيناريو أغسطس 2019، لكن هذه المرة تحت غطاء الفوضى والاحتجاجات. وقد أُحبطت هذه المحاولة بشكل استباقي، وتمت مواجهتها عبر حزمة من القرارات الرئاسية السريعة والحاسمة، التي قضت بتغيير قيادات أمنية وعسكرية عليا في محيط عدن، في خطوة بدا أنها تهدف إلى قطع الطريق على أي مغامرة عسكرية جديدة، وإعادة تأكيد سيطرة الدولة على المشهد.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي فشل مؤتمر الرياض إلى إطلاق يد هذه القوى مجدداً لفرض أمر واقع على الأرض، مستغلة حالة الإحباط والاحتقان الشعبي، وقدرتها على تحريك الشارع الذي لم يعد يقتنع بجدوى الحوارات المغلقة. وبين سيناريو التسوية الهشّة، وسيناريو الانهيار والمواجهة المفتوحة، يبقى مؤتمر الحوار الجنوبي مرهوناً ليس فقط ببراعة الوسطاء، بل بمدى قدرة الأطراف الجنوبية على تحرير نفسها من إرث الانتهاكات والفضائح، والارتقاء فوق حسابات الأمر الواقع التي تدفع بالجنوب نحو مزيد من الفوضى والاقتتال.
مرتبط
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news