“سَدَفْتُ برجلي قُمْتَ أجري، سَدَفْتُ بلساني وَقَعْتَ مكاني”

جاري تجهيز عرض الخبر من المصدر...
“سَدَفْتُ برجلي قُمْتَ أجري، سَدَفْتُ بلساني وَقَعْتَ مكاني”

بشرى العامري:

في الذاكرة الشعبية اليمنية، لا تأتي الأمثال عابرةً أو للزينة، بل تُصاغ من تجارب الحياة، وتُختزل فيها حكايات الألم والحكمة معاً. ومن بين هذه الدرر قولهم: “سَدَفْتُ برجلي قُمْتَ أجري، سَدَفْتُ بلساني وَقَعْتَ مكاني”… مثلٌ بسيط في ألفاظه، عميقٌ في دلالاته، يضعنا أمام واحدة من أخطر الحقائق الإنسانية: أن زلّة اللسان قد تكون أفدح من عثرة القدم.

فالإنسان حين يتعثّر بقدمه، قد يسقط لوهلة، ثم ينهض، يمسح غبار الطريق، ويكمل المسير. عثرة الجسد مرئية، محدودة الأثر، قابلة للتجاوز والنسيان. أما عثرة اللسان، فهي تلك التي لا تُرى ولكن يُسمع صداها طويلاً، قد تجرح قلباً، أو تهدم علاقة، أو تُشعل فتنة، أو تفتح باباً لا يُغلق من الندم. الكلمة، حين تخرج، لا تعود، وحين تُصيب، قد لا تُداوى.

هذا المثل لا يكتفي بالمقارنة بين نوعين من العثرات، بل يحمل تحذيراً مبطناً من خطورة الاستهانة بالكلام في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات أكثر من التفكير، وتُقال فيه العبارات بلا تمحيص، فتتحول إلى سهامٍ تصيب أصحابها قبل غيرهم. وهنا تتجلّى حكمة الأجداد، الذين أدركوا أن ضبط اللسان ليس مجرد خُلُق، بل ضرورة للبقاء بسلام في مجتمعٍ تتشابك فيه العلاقات وتتقاطع فيه المصالح.

وفي عمق هذا المثل، تبرز قيمة الصمت كفضيلة، لا كعجز. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُحمد. والعاقل – كما يقولون – من عرف أهل زمانه، فوزن كلماته بميزان الحكمة، وأدرك أن لكل مقامٍ مقالاً، ولكل كلمةٍ أثرها الذي قد يمتد أبعد مما يتخيّل.

كما يعكس المثل بُعداً أخلاقياً ودينياً، إذ يرتبط اللسان في الثقافة العربية والإسلامية بمسؤولية كبرى، فهو أداة بناءٍ كما هو أداة هدم. بكلمةٍ قد تُرفع مكانة، وبأخرى قد تُهدر كرامة. لذلك، كان حفظ اللسان من دلائل النضج، وعنواناً للرزانة، ودرعاً يقي الإنسان من كثير من المهالك.

وفي زمننا الراهن، حيث أصبحت الكلمات تُنشر بضغطة زر، وتتضاعف آثارها عبر الفضاء الرقمي، تزداد الحاجة إلى استحضار هذا المثل. فزلة لسانٍ في مجلسٍ ضيق، كانت تنتهي عند حدوده، أما اليوم فقد تتحول إلى قضية رأي عام، أو وصمةٍ تلاحق صاحبها طويلاً.

إنه مثلٌ يُعيد ترتيب أولوياتنا، ويذكّرنا أن القوة الحقيقية لا تكمن في سرعة الرد، بل في القدرة على ضبط النفس، وأن النجاة ليست في كثرة الكلام، بل في حسن اختياره. فكم من عثرة قدمٍ مرّت بسلام، وكم من كلمةٍ واحدةٍ كانت بداية السقوط.

وهكذا، يبقى هذا المثل الشعبي شاهداً على وعيٍ عميق بطبيعة الإنسان، ودعوةً مفتوحة لأن نُحسن الإصغاء قبل أن نتكلم، وأن نجعل من كلماتنا جسوراً لا هوّات، ونوراً لا ناراً.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك
صنعاء عدن تعز مأرب الحديدة حضرموت أبين صعدة حجة المحويت عمران البيضاء الضالع ذمار إب لحج المهرة ريمة جزيرة سقطرى شبوة الجوف

مذبحة مروعة تطال مسافرين يمنيين.. 20 مسلحًا أفريقيًا يقتلون الضحايا ويمنعون دفن الجثامين

نيوز لاين | 347 قراءة 

عاجل :قوات الأمن تنسحب من ساحة العروض في خور مكسر

كريتر سكاي | 296 قراءة 

عاجل : سقوط جرحى إثر إشتباكات عنيفة في ساحة العروض بعدن

كريتر سكاي | 277 قراءة 

“الانتقالي” يعلن إلغاء فعاليته في عدن وسط انتشار أمني غير مسبوق

يمن ديلي نيوز | 269 قراءة 

عاجل: اشتباكات مسلحة تهز محيط ساحة العروض بخور مكسر في عدن

سما عدن | 223 قراءة 

عاجل : بالتزامن مع تطورات الأوضاع .. أول تعليق لأبو زرعة المحرمي

كريتر سكاي | 212 قراءة 

فيديو | الشيخ حسين الجروي يروي لـ“برّان برس” قصة تحويل الحوثيين لمنزله إلى مبنى إذاعة

بران برس | 197 قراءة 

أبو زرعة المحرمي يوجه ‟كلمة لا بد منها” بالتزامن مع تصعيد الانتقالي المنحل في عدن

المشهد اليمني | 167 قراءة 

رسميا.. طرد منتخب تركيا من كأس العالم 2026 والجيل الذهبي اصبح عبرة

الميثاق نيوز | 147 قراءة 

حكم قبلي صادم في صنعاء.. إلزام طبيب العظام الشهير ماجد الخزان بدفع 250 ثوراً و18 مليون ريال

نيوز لاين | 139 قراءة