بشرى العامري:
تمثل المفردات الشعبية جزءا مهما من الهوية الثقافية للمجتمعات، إذ تختزن في معانيها تاريخا طويلا من التجارب الإنسانية والعلاقات المتبادلة بين الإنسان وبيئته. ومن بين المفردات المتداولة في عدد من المناطق اليمنية تبرز كلمة “الرُّباح” أو “الرَّبح”، وهي تسمية شعبية تُطلق على القرود، التي عاشت في بعض السلاسل الجبلية والأودية اليمنية، وشكلت جزءا من المشهد الطبيعي والاجتماعي لسنوات طويلة.
ولم يقتصر حضور الرُّباح على البيئة الطبيعية، بل امتد إلى الموروث الشفهي، حيث حضرت الكلمة في الأمثال والأهازيج والتعابير اليومية بوصفها رمزا للحركة الدائمة والمشاكسة والقدرة على التكيف، وأحيانا للدلالة على التقليد أو العبث.
ويؤكد باحثون في التراث الشعبي أن الحيوانات احتلت مساحة واسعة في الأمثال اليمنية، حيث جرى توظيف صفاتها وسلوكياتها لتفسير السلوك البشري أو نقده أو السخرية منه.
وفي هذا السياق وردت مفردة الرُّباح في عدد من الأقوال الشعبية التي ما زال بعضها متداولا حتى اليوم، مثل قولهم: “مثل الرُّباح ما يثبت على غصن” في وصف الشخص كثير التنقل والتردد، وقولهم: “ما يخرب الزرع إلا الرُّباح”
أو “إذا تضاربت الرُباح أوبه على جربتك” للدلالة على من يفسد جهود الآخرين أو يعبث بما تم إنجازه.
كما استُخدمت المفردة في الحياة اليومية لوصف الأطفال شديدي الحركة، فتسمع عبارات من قبيل: “هذا رُبحي صغير” أو “ألعب من رُبحي”، في إشارة إلى كثرة الحركة والمشاغبة.
وفي الأهازيج الشعبية وأغاني الأطفال، حضرت صورة الرُّباح بوصفه شخصية مرحة ومشاكسة في آن واحد، ومن الصيغ المتداولة في بعض المناطق:
“يا رُباح فوق الشجرةلا تكسر لنا الثمرة”
وهي صيغة شعبية تعكس صورة القرد المرتبطة بالتسلق والعبث بالمحاصيل الزراعية، وهي صورة متجذرة في الذاكرة الريفية اليمنية.
كما ترد مفردة الرُّباح في بعض السرديات الشعبية والحكايات المتناقلة شفهيا، حيث يظهر القرد كشخصية ذكية ومراوغة، تُستخدم في قصص الأطفال والعبر الأخلاقية التي تهدف إلى ترسيخ قيم الحذر أو التنبيه من التقليد الأعمى.
ويشير مختصون بالتراث إلى أن استمرار تداول كلمة الرُّباح حتى اليوم، رغم تراجع حضور القرود في الحياة اليومية لبعض المناطق، يعكس قوة الذاكرة الشعبية وقدرتها على حفظ المفردات المرتبطة بالبيئة القديمة ونقلها عبر الأجيال.
وتبقى مفردة الرُّباح مثالًا على الكيفية التي تتحول بها عناصر الطبيعة إلى رموز ثقافية ولغوية، تتجاوز معناها المباشر لتصبح جزءا من الأمثال والاهازيج والحكايات، وتحمل في طياتها ملامح من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمجتمع اليمني.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news