في مفارقة تعكس التناقض الصارخ في سياسات مليشيا الحوثي تجاه قطاع التعليم في مناطق سيطرتها، أثار تعميم جديد صادر عن وزارة التربية والتعليم التابعة للمليشيا في العاصمة المختطفة صنعاء موجة غضب واسعة في الأوساط التربوية، حيث طالبت المليشيا المعلمين بالانضباط الوظيفي ورفع الكفاءة الأكاديمية، في وقت يتجاهل فيه الحوثيون معاناة آلاف المعلمين الذين يرزحون تحت وطأة انقطاع الرواتب منذ قرابة 11 عاماً.
​وينص التعميم الحوثي على حصر المعلمين والمعلمات من حملة الثانوية العامة، وإلزامهم بالالتحاق بكليات التربية أو المعاهد العليا للتأهيل خلال عامين، مع وعود بمنحهم "أولوية" في التوظيف المستقبلي. وبينما زعمت الجماعة أن الخطوة تأتي ضمن جهود "تطوير العملية التعليمية"، قوبل القرار بسخرية واستهجان من قبل التربويين، الذين اعتبروه محاولة لفرض المزيد من الالتزامات على الكوادر التعليمية دون مقابل.
​تناقض الأولويات
ويشير مراقبون إلى ازدواجية في التعامل الحوثي؛ ففي الوقت الذي تسخر فيه المليشيا إمكانيات الدولة، والمؤسسات الإعلامية، ومنابر المساجد، لحشد الطلاب إلى "المراكز الصيفية" ذات الطابع الطائفي وتدعمها بسخاء مالي ولوجستي، تفرض في المقابل تعقيدات إدارية خانقة على التعليم الحكومي الأساسي، وتطالب المعلمين بالانضباط المهني الكامل دون صرف مرتبات أو توفير أدنى مقومات العيش الكريم.
​ردود أفعال تربوية
وفي هذا الصدد، وصف الناشط التربوي علي ناصر كامل، مطالبة المعلم بالانضباط المهني بينما هو محروم من أبسط حقوقه بـ "التناقض الصارخ"، مؤكداً أن آلاف المعلمين يعيشون ظروفاً إنسانية كارثية، بينما تنشغل الجماعة بإصدار تعميمات إدارية جوفاء تتجاهل الانهيار المعيشي.
​من جانبه، حذر الناشط التربوي عباد قحطان من وجود توجه خفي لدى المليشيا يهدف إلى "الإحلال التدريجي" للمتطوعين محل المعلمين المثبتين، معتبراً أن هذه الإجراءات تمهد لربط الحوافز المحدودة بسجلات الحضور، في ظل عجز الجماعة عن حل ملف الرواتب الذي يعد جوهر الأزمة.
​كما استنكر الناشط عادل قاسم الحديث عن "تأهيل الكوادر" في ظل حرمان المعلمين من مستحقاتهم، مؤكداً أن أي إصلاح تربوي حقيقي يجب أن يبدأ بضمان كرامة المعلم وصرف راتبه بانتظام، قبل المضي في فرض اشتراطات إدارية إضافية.
​فجوة تتسع
ويرى مراقبون أن هذا التعميم يكشف اتساع الفجوة بين الخطاب الإعلامي الذي تروج له مليشيا الحوثي بشأن "تطوير التعليم"، وبين الواقع المتردي الذي يعيشه الكادر التربوي. وتؤكد هذه السياسات، وفقاً للمراقبين، رغبة الجماعة في تكريس الأعباء على المعلمين ومحاولة فرض هيمنتها على القطاع التعليمي، بدلاً من معالجة الجذور الحقيقية للأزمة، مما يهدد بمزيد من التدهور في بيئة التعليم ومخرجاته في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news