في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اتساع رقعة الأزمة الإنسانية في اليمن، أطلقت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا جديدًا من خطورة الأوضاع الصحية المتدهورة في البلاد، مؤكدة أن اليمن يقف عند نقطة تحول حرجة قد تدفعه نحو كارثة إنسانية أعمق، ما لم يتحرك المانحون بصورة عاجلة لتوفير التمويل اللازم لدعم الاستجابة الإنسانية.
ويأتي هذا التحذير في تحليل نشرته المنظمة في الحادي عشر من يونيو 2026، موضحة أن ملايين اليمنيين باتوا يواجهون أوضاعًا معيشية وصحية متفاقمة، نتيجة سنوات طويلة من الصراع وانهيار الخدمات الأساسية.
ووفقًا للمنظمة فإن 22.3 مليون شخصا في اليمن بحاجة إلى المساعدة الإنسانية والحماية خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس حجم المعاناة التي تعيشها البلاد، ولا تنفصل هذه الأزمة عن التطورات التي شهدها اليمن منذ انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة عام 2014 وما أعقبه من حرب طويلة أدت إلى تمزيق مؤسسات الدولة وإضعاف قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على القطاع الصحي الذي يعاني اليوم من نقص التمويل وتراجع الخدمات وانتشار الأوبئة والأمراض المعدية، فبينما تمتد آثار الأزمة إلى مختلف المحافظات اليمنية، بما فيها المناطق البعيدة عن سيطرة الحوثيين، فإن جذور هذا التدهور ترتبط بحالة الانقسام المؤسسي والاقتصادي التي أفرزها الانقلاب والصراع المستمر منذ أكثر من عقد من الزمان.
منعطف خطير
وبحسب منظمة الصحة العالمية فقد دخل اليمن في العام 2026 في واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ اندلاع الصراع، حيث تتقاطع التحديات الصحية والاقتصادية والإنسانية في مشهد معقد يهدد حياة الملايين، إذ تؤكد المنظمة أن الاحتياجات الإنسانية تتزايد بوتيرة متسارعة في الوقت الذي تتراجع فيه الموارد المتاحة للاستجابة، الأمر الذي يضع المنظمات الإنسانية أمام تحديات غير مسبوقة.
وتشير التقديرات إلى أن 22.3 مليون شخص يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، وهو رقم يكشف عن عمق الأزمة التي تضرب مختلف مناطق البلاد، وتوضح المنظمة أن استمرار تراجع التمويل الدولي يهدد بتقليص البرامج الصحية والإغاثية التي يعتمد عليها ملايين اليمنيين للحصول على الرعاية الأساسية، يأتي ذلك في وقت تواجه فيه البلاد أزمات متراكمة تشمل سوء التغذية وانتشار الأمراض المعدية وارتفاع معدلات الفقر وتدهور الخدمات العامة.
ويرى مختصون أن هذه الأوضاع لم تنشأ بصورة مفاجئة، وإنما جاءت نتيجة سنوات من الصراع الذي أعقب انقلاب الحوثيين وتقويض مؤسسات الدولة، وهو ما أدى إلى تراجع قدرة السلطات والمؤسسات الصحية على إدارة الأزمات والاستجابة للاحتياجات المتزايدة، كما تسبب تقويض الدولة وعرقلتها في بسط نفوذها وممارسة صلاحياتها في إضعاف التخطيط الصحي الوطني وتعطيل الكثير من البرامج الوقائية والتنموية، الأمر الذي جعل النظام الصحي أكثر هشاشة وعرضة للانهيار مع كل أزمة جديدة تواجهها البلاد خلال سنوات الانقلاب.
عودة الأوبئة القديمة
ويعد الانتشار الواسع للأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات واحدة من أخطر المؤشرات التي رصدتها منظمة الصحة العالمية في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين، وهي ظاهرة تعكس حجم التراجع الذي أصاب النظام الصحي اليمني خلال السنوات الماضية.
وتشير المنظمة إلى تفشي فيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح من النوع الثاني (cVDPV2)، إلى جانب الإسهال المائي الحاد والكوليرا والحصبة والخناق وحمى الضنك والملاريا، وتمثل هذه الأمراض تهديدًا مباشرًا لملايين السكان، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن الذين يعانون أصلًا من ضعف الخدمات الصحية ونقص الرعاية الطبية، وتؤكد المنظمة أن انخفاض معدلات التطعيم وانتشار المعلومات المضللة بشأن اللقاحات أسهما بصورة كبيرة في عودة بعض الأمراض التي كانت تحت السيطرة سابقًا، كما أن تعطل العديد من برامج التحصين نتيجة الظروف الأمنية والاقتصادية أدى إلى اتساع الفجوات الصحية في مختلف المحافظات.
وبحسب خبراء فإن تدهور البنية الصحية لم يكن منفصلًا عن الانهيار العام الذي أصاب مؤسسات الدولة منذ عام 2014، حيث فقدت الجهات المختصة جزءًا كبيرًا من قدرتها على تنفيذ الحملات الوقائية ومراقبة انتشار الأوبئة، وحتى في المناطق البعيدة عن سيطرة الحوثيين، انعكس انهيار مؤسسات الدولة -الناتج عن الانقلاب والحرب- على الخدمات الصحية، فتراجعت الإمكانات وتقلصت الموارد وازدادت صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة في العديد من المناطق النائية والريفية.
ولا يقتصر تراجع معدلات التطعيم في اليمن على عوامل الحرب وانهيار البنية الصحية فحسب، بل أسهمت حملات التحريض والتشكيك التي رافقت بعض برامج التحصين في تعميق المشكلة، فقد روجت وسائل إعلام وشخصيات مرتبطة بمليشيا الحوثي خلال سنوات مختلفة لمزاعم أن اللقاحات تمثل مؤامرة أمريكية أو إسرائيلية تستهدف اليمنيين، وهو خطاب أدى إلى نشر الشكوك بين بعض المواطنين وإضعاف الثقة بحملات التطعيم التي تنفذها الجهات الصحية المحلية والدولية.
وقد انعكس ذلك سلبًا على معدلات الإقبال على اللقاحات، وساهم في اتساع الفجوات المناعية بين الأطفال، الأمر الذي وفر بيئة مناسبة لعودة وانتشار أمراض كان من الممكن الحد منها أو القضاء عليها عبر التحصين المنتظم، مثل شلل الأطفال والحصبة وغيرها من الأمراض المعدية.
أزمة تمويل
ولم تعد الأزمة الصحية في اليمن مرتبطة فقط بانتشار الأمراض أو ضعف البنية التحتية، بل أصبحت أزمة تمويل حادة تهدد بوقف كثير من البرامج المنقذة للحياة، حيث توضح منظمة الصحة العالمية أن الاحتياجات الإنسانية المتزايدة تتزامن مع تخفيضات كبيرة في التمويل الدولي، الأمر الذي أجبر الشركاء الإنسانيين على تقليص نطاق تدخلاتهم وخفض الخدمات المقدمة للفئات الأكثر احتياجًا.
وتؤكد المنظمة أن استمرار هذا الاتجاه يضع ملايين اليمنيين أمام مخاطر صحية وغذائية متزايدة، خصوصًا في المناطق التي تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، حيث تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن تراجع التمويل بحلول مايو 2026 أدى إلى تقليص خدمات التغذية بنسبة وصلت إلى 63 في المئة، وهو رقم يعكس حجم الفجوة المتنامية بين الاحتياجات الفعلية والموارد المتاحة.
ويؤدي هذا التقليص وفق مختصين إلى حرمان أعداد كبيرة من الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات من خدمات أساسية تسهم في الوقاية من سوء التغذية والأمراض المرتبطة به، كما ينعكس تراجع الدعم المالي على برامج مكافحة الأوبئة والتحصين والرعاية الصحية الأولية، ويؤكد المختصون أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تدهور إضافي في المؤشرات الصحية، خاصة في ظل استمرار آثار الحرب والانقسام المؤسسي الذي نشأ بعد انقلاب الحوثيين، والذي أضعف قدرة الدولة على تعويض النقص في الخدمات أو توفير بدائل مستدامة للمواطنين في مختلف المحافظات اليمنية.
إغلاق المرافق وتهديد الخدمات
ومن بين أخطر النتائج التي كشف عنها تقرير منظمة الصحة العالمية الإغلاق الواسع للمرافق الصحية خلال الفترة الماضية نتيجة شح التمويل وتفاقم الأوضاع الإنسانية. فبحسب المنظمة فقد أُغلق أكثر من 450 مرفقًا صحيًا خلال العام الماضي، من بينها 76 مستشفى كانت تقدم خدمات طبية أساسية لمئات الآلاف من السكان.
ويعكس هذا الرقم حجم الضغوط التي يتعرض لها القطاع الصحي اليمني الذي يعاني أصلًا من نقص الكوادر والمستلزمات الطبية والأدوية والتجهيزات الأساسية، وقد أدى إغلاق هذه المرافق إلى حرمان شرائح واسعة من السكان من الحصول على الرعاية الصحية الضرورية، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي تعتمد على عدد محدود من المنشآت الطبية، كما تسبب ذلك في زيادة الضغط على المراكز والمستشفيات المتبقية، التي باتت تواجه أعدادًا متزايدة من المرضى بإمكانات محدودة للغاية.
ويرى مراقبون أن الانهيار المتواصل للخدمات الصحية يمثل أحد أبرز تجليات الأزمة التي تعيشها البلاد منذ سنوات، حيث أدى الانقلاب الحوثي إلى استنزاف الموارد وإضعاف المؤسسات الحكومية، وحتى في المحافظات الواقعة خارج سيطرة الحوثيين، فإن التدهور الصحي لا يمكن فصله عن الآثار العميقة للانقلاب وتقويض الدولة وما نتج عنه من انهيار اقتصادي وإداري واسع النطاق، انعكس على قدرة السلطات المحلية والحكومة المعترف بها دوليًا على توفير الخدمات الصحية بالمستوى المطلوب للسكان في مختلف المناطق.
نداء عاجل
أمام هذا الواقع المتدهور، أطلقت منظمة الصحة العالمية نداءً عاجلًا إلى المانحين الدوليين لتوفير التمويل اللازم ومنع انهيار ما تبقى من الخدمات الصحية في اليمن.
وأوضحت المنظمة أنها تحتاج إلى 38.8 مليون دولار لتقديم مساعدات صحية طارئة ومنقذة للحياة يستفيد منها 10.5 ملايين شخص في مختلف أنحاء البلاد، ويهدف هذا التمويل إلى دعم الخدمات الصحية الأساسية وتعزيز الاستجابة للأوبئة وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية وضمان استمرار عمل المرافق الصحية الأكثر احتياجًا.
وتؤكد المنظمة أن الفشل في توفير هذه الموارد سيؤدي إلى نتائج كارثية على حياة السكان، حيث ستُزهق أرواح كان بالإمكان إنقاذها، وستتعرض المجتمعات لمزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار، كما تحذر من أن استمرار نقص التمويل سيدفع مزيدًا من المرافق الصحية إلى الإغلاق ويقوض قدرة العاملين في القطاع الصحي على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
ويأتي هذا النداء في ظل تراجع اهتمام بعض المانحين بالأزمة اليمنية مقارنة بأزمات دولية أخرى، الأمر الذي زاد من حجم الفجوة التمويلية.
وتؤكد المنظمة أن التدخل السريع لا يمثل مجرد استجابة إنسانية عاجلة، بل يشكل استثمارًا في استقرار المجتمعات وحماية الملايين من مخاطر المرض والجوع والانهيار الكامل للخدمات الأساسية، التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية منذ سنوات طويلة ومتواصلة.
جذور الأزمة
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن اليمن يعيش منذ عام 2014 حالة من الصراع العنيف الذي ألحق أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية الحيوية في البلاد، تشمل هذه الأضرار قطاعات المياه والصرف الصحي والتعليم والصحة والنقل، وهي قطاعات تمثل الركائز الأساسية لأي دولة قادرة على تقديم الخدمات لمواطنيها، وقد أدى تضرر هذه المرافق أو تدمير أجزاء واسعة منها إلى تقليص الخدمات العامة بصورة كبيرة وإضعاف قدرة المجتمع على الصمود أمام الأزمات المتلاحقة.
ويرى كثير من المحللين أن هذه التطورات ترتبط بشكل مباشر بالانقلاب الحوثي على مؤسسات الدولة وما أعقبه من حرب طويلة أدت إلى انقسام المؤسسات وتعطيل وظائفها الأساسية، ونتيجة لذلك تراجعت قدرة الدولة على إدارة القطاعات الحيوية وتوفير الموارد اللازمة لصيانتها وتطويرها، كما انعكست هذه الأوضاع على المحافظات البعيدة عن سيطرة الحوثيين التي لم تسلم بدورها من آثار الانهيار المؤسسي والاقتصادي، فالتدهور الصحي في تلك المناطق لا يمكن فهمه بمعزل عن انهيار الدولة المركزية وتفكك الكثير من أجهزتها الإدارية والخدمية، الأمر الذي جعل الخدمات الصحية أكثر هشاشة وأقل قدرة على مواجهة الأزمات، ومع استمرار الصراع وتعثر الحلول السياسية، تتزايد المخاوف من اتساع فجوات الخدمات الأساسية وارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدة الإنسانية في مختلف أنحاء اليمن دون استثناء.
أزمات متداخلة
وتكشف التحذيرات الأخيرة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية حجم الخطر الذي يواجهه اليمن في المرحلة الراهنة، حيث تتداخل الأزمات الصحية والإنسانية والاقتصادية في مشهد يعكس سنوات طويلة من الصراع والانهيار المؤسسي، فوجود 22.3 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية والحماية، وانتشار أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات، وتقليص خدمات التغذية بنسبة 63 في المئة، وإغلاق أكثر من 450 مرفقًا صحيًا بينها 76 مستشفى، كلها مؤشرات تؤكد أن البلاد تواجه تحديًا وجوديًا يتطلب تحركًا عاجلًا وواسع النطاق، كما أن مطالبة المنظمة بتوفير 38.8 مليون دولار لمساعدة 10.5 ملايين شخص تعكس حجم الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والموارد المتاحة.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو جهود الإغاثة والتمويل الدولي، تبقى الحقيقة الأبرز أن جذور الأزمة تعود إلى الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة منذ انقلاب الحوثيين عام 2014 وما أعقبه من صراع ممتد ألحق أضرارًا واسعة بالبنية التحتية والخدمات العامة، وقد انعكست هذه التداعيات على جميع المحافظات اليمنية، بما فيها المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين، التي تأثرت بدورها بانهيار مؤسسات الدولة وتراجع الموارد والقدرات التشغيلية.
وبينما يواصل ملايين اليمنيين مواجهة تحديات المرض والفقر والجوع، تبدو الحاجة ملحة إلى استجابة إنسانية عاجلة، وإلى معالجة الأسباب العميقة للأزمة بما يضمن استعادة مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية المواطنين وتقديم الخدمات الأساسية لهم في المستقبل.
الصحة العالمية تحذر: انقلاب الحوثيين يقود اليمن نحو أسوأ أزماته الصحية المعاصرة
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news