الجغرافيا كذبة…من يحدد الهوية… الأرض أم طريقة العيش؟

الجغرافيا كذبة…من يحدد الهوية… الأرض أم طريقة العيش؟

الإثنين 08 يونيو ,2026 الساعة: 01:45 مساءً

أحمد محمد الهياجم

نخب تشبه اليمنيين… لكن الانتماء أبعد من قارتين

ليست روسيا وحدها من أربكت تعريف الهوية، وليست اليونان وحدها من كسرت منطق الجغرافيا، بل إن العالم وهو يتحول إلى قرية صغيرة اكتشف أخيرًا نماذج بشرية تشبه اليمنيين شكلًا ولهجةً وأسماءً… لكنها أبعد عنهم حضاريًا وروحيًا وماديًا من بُعد موسكو عن واشنطن.

ومن خلال السطور الآتية سنكتشف أن التشابه الجسدي، أو التقارب الجغرافي، أو حتى وحدة اللغة… لا يعني بالضرورة وحدة الانتماء العقلي والوجداني.

وسنتناول ذلك عبر ثلاثة محاور :

المحور الأول: روسيا… شرقية وإن سكنت أوروبا.

المحور الثاني: دُرزن مجلس رئاسة وحكومة ونواب… إفتراضيون.

المحور الثالث: اليونان… آسيوية جغرافيًا وغربية حضاريًا.

المحور الأول :

روسيا… التي لم يعترف بها الغرب كاملة

روسيا دولة تتمدد جغرافيًا داخل أوروبا، بل إن غالبية سكانها يعيشون في جزئها الأوروبي، ومع ذلك لم يعتبرها الغرب يومًا “غربية” بالكامل.

لأن مقاييس الحضارة الغربية لا تُقاس بخطوط الطول والعرض، بل تقوم على أربع ركائز كبرى :

المسيحية الغربية.

الفلسفة اليونانية.

القانون والعقلية الرومانية.

والانتماء للمشروع الغربي الحديث الذي تقوده الولايات المتحدة.

أما روسيا دائمًا شيئًا آخر.

دينيًا تنتمي إلى الأرثوذكسية، وحضاريًا تستند إلى الإرث البيزنطي، وسياسيًا تنظر لنفسها باعتبارها “إمبراطورية قيصرية مستقلة”.

ثم جاءت الثورة البلشفية "كملت الفورة" وأغلقت ما تبقى من النوافذ المفتوحة مع الغرب، وصنعت عقلية اقتصادية وسياسية مختلفة تمامًا. ولهذا ظل الغرب يرى روسيا جارًا ثقيلًا… لا فردًا من العائلة.

المحور الثاني

الجمهورية الإفتراضية… حين يصبح المسؤول أقرب إلى المطار من الوطن

العالم أصبح قرية واحدة، ولذلك لم يعد صعبًا اكتشاف النخب المتشابهة.

وقد تم ـ بالصدفة الساخرة ـ اكتشاف دُرزن مجلس رئاسة، وحكومة، ومجلس نواب “مستعمل”، يشبهون اليمنيين في الملامح واللهجة وحتى أسماء العائلات… لكنهم يختلفون عن اليمن الحقيقي كما يختلفوا بصالة كبار الزوار عن طابور الجوع.

هم أقرب إلى اليمن من حيث الشكل، لكنهم أبعد عنه من حيث نمط العيش، والامتيازات، والرواتب، والبرود السياسي، وكأنهم يعيشون في طبقة جوية أعلى من وجع اليمنيين أنفسهم.

يتحدثون عن الوطن من فنادق الخارج، كما يتحدث السائح عن مدينة مرّ بها ذات مساء ثم غادرها دون أن يحمل منها سوى صور الهاتف.

والمفارقة الأكثر قسوة… أنه كلما اشتد الجوع داخل اليمن الحقيقي، ازدادت المؤتمرات في اليمن الافتراضي.

وكلما ضاقت معيشة المواطن الحقيقي، اتسعت بدلات السفر والإعاشة للمواطن الرسمي الافتراضي.

حتى صار اليمني البسيط يرى المسؤول اليمني في المطارات أكثر مما يراه داخل مؤسسات الدولة، وكأن لقاءاتهم بصالات السفر تشبه لقاء السفن في عرض البحر؛ ابتسامات سريعة… ثم يواصل كل طرف رحلته بعيدًا عن الآخر.

اليمني الحقيقي… واليمني الافتراضي

المفارقة الساخرة أنك تستطيع بسهولة التمييز بين اليمني الحقيقي واليمني الافتراضي.

فاليمني الافتراضي بات أقرب إلى العقل الغربي في إدارة المصالح والشركات والحسابات البنكية، بينما لا يزال اليمني الحقيقي عشبي يعيش تفاصيله البسيطة :

قات، وملوخية، وكزبرة، وكراث، وهموم يومية أثقل من قدرة البلاد على الاحتمال وهو معرض للإنقراض.

اليمني الإفتراضي غربي ميكافللي التفكير مع معاناة الناس، حتى بدا المواطن اليمني كالفلسطيني يُهجَّر بصمت؛ والفارق الفلسطيني بالحافلات العسكرية، واليمني باليأس، وانعدام الفرص، والجوع، وانطفاء الأفق وضياع الايمان وبقاء الحكمة.

ففي مصر العروبة وحدها يقيم ما يقارب مليوني يمني، في مشهد يكشف حجم النزيف البشري الذي تعيشه البلاد.

شر البلية ما يضحك

اليمني المغترب في الخارج يمتلك مجلس رئاسة، وحكومة، ووزراء، وأعضاء نواب افتراضيين… ومع ذلك يصعب على المواطن أن يلمس أثرهم داخل حياته اليومية.

أما الداخل اليمني، فقد تُرك وحيدًا: لا دولة مكتملة، ولا اقتصاد، ولا أفق، ولا حتى شعور حقيقي بأن من يتحدث باسم اليمن… يعيش اليمن أصلًا.

المحور الثالث

اليونان… حين تهزم الحضارة الجغرافيا

مرة اخرى يكشف التاريخ الحقيقة الكبرى الجغرافيا ليست دائمًا انتماء.

قلنا ان القرب المكاني لا يعني وحدة الهوية، كما أن البعد لا يعني القطيعة.

فروسيا أوروبية جغرافيًا، لكنها ليست غربية حضاريًا.

وكذلك اليونان التي تكاد جزرها تلامس الساحل التركي الاسيوي وبينهما ٢ كيلوا، وبينها وبين البر الاوروبي ما يقارب الألف كيلو ومع ذلك لم ينظر إليها الغرب يومًا باعتبارها امتدادًا آسيويًا، بل بوصفها الأصل الفلسفي والعقلي للحضارة الأوروبية.

فمن سقراط، لأفلاطون، لأرسطو، إلى الديمقراطية الأثينية، إلى المسرح، والعلوم وأنها أشبه بالرحم الأول الذي خرجت منه الفكرة الغربية.

إذا القضية ليست قضية مسافة او قرب، بل قضية انتماء حضاري بدليل اليمني المكتشف حديثا الذي يشبهنا حتى في الجواز واللسان والهيئة، لكن المسافة بيننا أصبحت أبعد من المسافة بين موسكو وواشنطن.

ومع ذلك نريدهم أن يفعلوا كما فعلت اليونان عبر التاريخ: أنها كانت جسرًا بين عالمين، لا جدارًا بين شعبٍ ودوله.

فبعد كل هذا “التفرنج” و”التخلّج والتأمرك ”.

 نريدهم جسرًا يصل اليمن الحقيقي بالخليج… لا ليظلوا طبقةً معلّقة فوق أوجاع اليمنيين.

فالإنسان يُعرَّف بالمكان الذي يحمل وجعه، ويدافع عن ناسه، ويشبه أحلامهم وآلامهم.

لهذا المسافة بين اليمنيٍّ الحقيقي واليمني الافتراضي… أبعد من المسافة بين قارتين.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

قرار "سري" للعليمي بتعيين قيادة جديدة للاستخبارات.. هل يجدد نفوذ "الانتقالي"؟

الهدهد اليمني | 296 قراءة 

بدء الحصار على مأرب وسط ترحيب شعبي واسع

كريتر سكاي | 284 قراءة 

حديث سعودي يحسم مصير الانتقالي ويكشف حقيقة عودته بعدن

كريتر سكاي | 273 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الأول من محرم إجازة رسمية لكافة موظفي الدولة

حشد نت | 226 قراءة 

الف ريال على كل غرابي في عدن

كريتر سكاي | 188 قراءة 

مناشدة يمنية للأشقاء في المملكة: إعادة النظر في رسوم تجديد الإقامة حفاظاً على استقرار أكثر من نصف مليون أسرة

البلاد نت | 181 قراءة 

اليمن: التحقيق في ملابسات العثور على امرأة متوفاة داخل فندق بمدينة عدن

يمن فيوتشر | 180 قراءة 

البخيتي والمقطري يتبادلان الاتهامات في سجال حاد حول قضية علي عشال

عدن الغد | 166 قراءة 

قطر تخصص تذاكر مجانية للجمهور اليمني لكأس العالم (تفاصيل)

كريتر سكاي | 161 قراءة 

شرطة الشيخ عثمان تفتح تحقيقًا في ملابسات وفاة داخل أحد فنادق عدن

الوطن العدنية | 142 قراءة