نقف على أعتاب حدث ثقافي هز وجدان اليمن؛ إنه رحيل أحد عمالقة الأدب والمسرح، الكاتب والمسرحي الكبير، سعيد عولقي. رحلة استثنائية من الإبداع والتجدد، سنستعرضها في هذا التقرير الشيّق.
في فجر اليومآ السادس من يونيو 2026، وبعد معاناة مع المرض، غادر الحياةَ الأديبُ والصحفي والمسرحي الكبير سعيد عولقي في مدينة عدن العاصمة المؤقتة لليمن، عن عمر ناهز الثمانين عاماً، ليخلف وراءه إرثاً ثقافياً هائلاً، ويُحدث فجوة عميقة في الساحة الثقافية والأدبية اليمنية..
لكن، مَن هو هذا الرجل الذي أثنى عليه رئيس الوزراء شخصياً ونعته وزارة الثقافة بندم وحسرة.
ولد سعيد علي عولقي في مدينة عدن عام 1946، وتحديداً فيآ مديرية الشيخ عثمان.
عاش طفولته بين أزقة المدينة الساحلية العريقة، تلك التي تغني بفنها وازدحامها، وتُعَد مهداً للوعي الثقافي في جنوب اليمن. .
طفل في عدن اصبحآ إلى أحد أعمدة الإبداع في اليمنآ
منذ نعومة أظفاره، بدأ شغف عولقي بالمسرح يتشكل. ففي شبابه المبكر، وتحديداً عام 1965، شارك في تأسيس "فرقة الجنوب للمسرح".
وبعد أربع سنوات فقط، كان أحد المؤسسين لفرقة "المسرح الحديث" عام 1969. .آ رحلتان تأسيسيتان جعلتاه في صلب الحركة المسرحية اليمنية الناشئة.آ آ
آ ولم يتوقف عولقي عند حدود التأليف المسرحي، بل امتد تأثيره إلى مؤسسات الدولة ذاتها.آ آ
مع بدايات الاستقلال، انخرط في العمل الحكومي. ففي عام 1978، انتقل إلى وزارة الثقافة والسياحة، وأسس "قسم الأبحاث والدراسات المسرحية"، .
وفي عام 1980، شارك في تأسيس "مجلة الفنون" وعمل مديراً لتحريرها. . وصل به الطموح إلى قيادة المشهد الثقافي، فانتُخب في 1987 رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين – فرع عدن، ثم عُين مديراً عاماً للثقافة في صنعاء بين 1990 و1995، ليتولى بعدها إدارة المؤسسة العامة للمسرح والسينما عام 1995.
ومع كل هذه المناصب الرفيعة، يبقى السؤال لدىآ من يجهلهآ ما هو العمل الذي خلد ذكر عولقي في الوجدان الشعبي اليمني.. بلا شكآ إنها مسرحية "التركة"، بجزأيها الأول والثاني، والتي لا تزال حتى اليوم إحدى كلاسيكيات المسرح اليمني وأكثرها شهرة.
آ صدرت عام 1982 وحققت نجاحاً مدوياً وجماهيرياً لم يسبق له مثيل، فهيآ آ لم تكن مجرد كوميديا، بل مرآة عاكسة لواقع سياسي واجتماعي معقد.
تدور أحداثها حول شخصية "عبدالله بن علوان" التي ترمز إلى التقلبات السياسية. . الجزء الأول ينتقد إرث الاستعمار، بينما يعالج الجزء الثاني الصراعات الداخلية.
إنها "كوميديا سياسية ساخرة"، جعلت الجمهور يضحك باكياً، متألماً بما يراه من معاناة.
آ أما ما هو أقل شهرة، لكنه لا يقل أهمية، فهو ذلك الكاتب الذي لم يحبس نفسه في قوالب جاهزة.آ آ
فإلى جانب "التركة"، كتب عولقي مسرحيات عديدة مهمة مثل "نداء الأرض"، و"فوق الجبل" وغيرها.آ
آ كما لم يقتصر على المسرح، بل غامر في عوالم الرواية الطويلة. ففي عام 1993، نشر روايته الفلسفية الهامة "السمار الثلاثة"آ رواية تطرح أسئلة عميقة حول الحرية والقانون وعبثية الواقع.
كما أصدر كتاباً توثيقياً قيماً عن تاريخ المسرح اليمني هو "سبعون عاماً من المسرح في اليمن" (1983)،آ ومجموعة مقالاته الساخرة "شقلبانيات" (1993). .
ولم تقتصر شهرة عولقي على محيطه العربي فقط، فقد تُرجمت له قصة "الخلافة" إلى اللغة الإنجليزية، ونشرت في مختارات أدبية عالمية. .
آ وداعاً أيها البسيط العميق
رحل سعيد عولقي، ولكن صوته ما زال يتردد على الخشبة التي أضاءها.
رحلآ البسيط كالماء، العميق كالبسمة ... رجل لم يرهب المناصب، بل رأى فيها وسيلة للعطاء والإبداع. ..لقد كان، بكل ما تعنيه الكلمة، واحداً من أعمدة التنوير والإبداع التي شكّلت الوعي الجمعي لليمن..
إنا لله وإنا إليه راجعون.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news