كشفت الصحفية اليمنية المقيمة في ألمانيا، سماح الشغدري، عن وجود 11 ثغرة فنية وجنائية جوهرية في الوثائق التي نشرتها مليشيات الحوثي لإثبات نسب امرأة تدّعي أنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مؤكدة أن هذه الوثائق تفتقر إلى المعايير الدولية المعتمدة لفحوصات البصمة الوراثية (DNA)، ولا تصلح كدليل قانوني أو علمي لإثبات الادعاء.
وأوضحت الشغدري، في دراسة تحليلية موسعة، أن الوثائق المتداولة تتضمن تقرير فحص وراثي صادر عن إدارة المختبر البيولوجي التابعة لوزارة الداخلية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، معتبرة أن إصدار التقرير من الجهة ذاتها التي تروّج للرواية يمثل تضارب مصالح واضحاً يخالف قواعد التعامل مع الأدلة الجنائية الدولية.
وأكدت الدراسة أن الفحص المعلن لم يتضمن أي مقارنة جينية مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أو أي قريب بيولوجي موثق له، بل استند إلى عينات تعود لأشخاص قالت الوثائق نفسها إنهم الوالدان البيولوجيان الحقيقيان للمرأة محل الادعاء، ما يعني – بحسب الدراسة – أن النتائج المنشورة تنفي الادعاء بدلاً من إثباته.
وأشارت الدراسة إلى سلسلة من الاختلالات تضمنت تناقضات في توصيف العينات، وأخطاء علمية داخل التقرير، واختلافاً في أرقام القضايا، فضلاً عن غياب الصفحة الثانية من نتائج التحليل، وعدم نشر البيانات الخام للعينة الأساسية، بالإضافة إلى انعدام بيانات سلسلة الحيازة الخاصة بالعينات البيولوجية.
كما لفتت إلى وجود خلل رقمي في توقيت مخرجات التحليل، والذي ظهر مرتبطاً بالتوقيت الأمريكي وليس توقيت اليمن، معتبرة أن ذلك يثير تساؤلات حول بيئة إنتاج التقرير وسلامة الإجراءات الفنية المرتبطة به.
وخلصت الشغدري إلى أن الوثائق المتداولة، بصورتها الحالية، لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير الجنائية والعلمية المعتمدة دولياً، مؤكدة أن أي اعتماد قانوني لمثل هذه المزاعم يتطلب فحصاً مستقلاً من جهة دولية مختصة للتحقق من أصل الوثائق وسلامة الإجراءات المستخدمة في إعدادها.
اسفل نص التقرير..
______
وثائق مليشيا الحوثي الإرهابية حول "ابنة صدام": إحدى عشرة ثغرة جنائية تُسقط الادعاء
تداولت جهات تابعة لمليشيا الحوثي الإرهابية وثائق قدّمتها بوصفها دليلاً على إثبات نسب امرأة تدّعي أنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مستندةً إلى تقرير فحص DNA تقول إنه صادر عن إدارة المختبر البيولوجي في وزارة الداخلية الخاضعة لسيطرة هذه المليشيا منذ احتلالها العاصمة صنعاء عام 2014. وتكتسب هذه الوثائق خطورة إضافية من كونها صادرة عن الجهة ذاتها التي تروّج للادعاء، وهو ما يُشكّل تعارض مصالح إجرائياً صريحاً وفق معايير التعامل مع الأدلة الجنائية في القضايا ذات الطابع الدولي.
دراسة هذه الوثائق الأربع، والتحقق من جانبها التقني بالاستعانة بخبيرة في علم الجينات الجنائية مقيمة في ألمانيا تتقن أربع لغات من بينها العربية وطلبت عدم الكشف عن هويتها، والاستناد إلى المعايير الجنائية الدولية المعتمدة بما تشمل إرشادات SWGDAM لتفسير نتائج STR ومتطلبات ISO/IEC 17025 — كل ذلك كشف عن إحدى عشرة ثغرة جوهرية تُفقد هذه الوثائق صلاحيتها كدليل في أي إجراء قانوني جاد. ذلك أن قيمة أي فحص DNA لا تقوم على وجود جداول جينية فحسب، بل على سلامة العينة المرجعية، وصحة سلسلة الحيازة، واكتمال الملف الخام، وقابلية تتبع كل مرحلة من مراحل التحليل — وهذا تحديداً ما تفتقر إليه هذه الوثائق.
بيان داخلية المليشيا يُناقض سردية "ابنة صدام"
لم تقتصر الوثائق المتداولة على تقرير البصمة الوراثية، بل رافقها بيان صادر عن وزارة الداخلية في حكومة مليشيا الحوثي الإرهابية غير المعترف بها دولياً، قالت فيه إن المرأة التي تدّعي أنها ابنة صدام حسين اسمها الحقيقي "سمية أحمد محمد عيسى الزبيري"، من مواليد حي هبرة في أمانة العاصمة، وتنحدر أسرتها من مديرية أرحب بمحافظة صنعاء.
وبحسب البيان ذاته، كلّفت الداخلية فريقاً فنياً بأخذ عينات بيولوجية من المدعوة سمية الزبيري، إلى جانب عينات مرجعية من المدعو أحمد محمد عيسى الزبيري وزوجته دولة ناصر فارع مزود وابنهما هشام. غير أن هذا البيان، بدلاً من أن يعزز الادعاء، يكشف جوهر التناقض فيه: العينات المرجعية المستخدمة لا تتصل بصدام حسين ولا بأي قريب بيولوجي موثّق له، بل بأشخاص يُقال إنهم والدا المرأة وشقيقها. بل إن البيان نفسه يؤكد أن أحمد الزبيري ودولة مزود هما الوالدان البيولوجيان الحقيقيان للمرأة بنسبة 99.99%، فيكون البيان الرسمي للمليشيا بذلك قد نفى الادعاء عملياً بدلاً من إثباته.
كما خلا البيان من أي توضيح بشأن ما أُثير حول الفيلا المنسوبة للمرأة، رغم أن هذا الجانب كان حاضراً في الجدل العام المحيط بالقضية. وقد تحوّل البيان لاحقاً إلى مادة للتندر على منصات التواصل اليمنية، في مؤشر على فقدان رواية المليشيا تماسكها أمام الجمهور قبل أي محكمة.
أولاً: الفحص لم يقارن بصدام حسين
الثغرة الأكثر حسماً، والتي تُسقط الادعاء قبل أي نقاش تقني، هي غياب أي عينة مرجعية لصدام حسين أو لأي قريب بيولوجي له موثّق دولياً. العينات الثلاث المستخدمة تعود إلى أحمد الزبيري وزوجته وابنهما، فلا تثبت النتيجة المُعلنة سوى احتمال نسب المرأة إليهم، لا إلى صدام حسين. موضوع الفحص منفصل كلياً عن موضوع الادعاء، وهو خلل بنيوي لا تُعوّضه أي دقة في التحليل التقني.
ثانياً: تناقض داخلي في هوية عينة "الأب"
ثالثاً: خطأ علمي في العنوان الرئيسي للوثيقة
رابعاً: توقيت رقمي يُشير إلى جهاز خارج اليمن
خامساً: تعارض أرقام القضية بين الوثائق
سابعاً: الصفحة الثانية من التحليل محجوبة
ثامناً: غياب سلسلة الحيازة كاملةً
لا يذكر التقرير من أخذ العينات، ولا أين، ولا بحضور من، ولا كيف نُقلت وحُفظت قبل وصولها إلى المختبر. ولا تظهر أي بيانات عن استلام العينات أو ظروف تخزينها أو الأشخاص الذين تعاملوا معها في كل مرحلة. سلسلة الحيازة ركيزة لا تقوم الأدلة الجنائية الدولية بدونها؛ غيابها الكامل يجعل مصدر العينات ومسارها غير قابلَين للتحقق، ويُسقط القيمة الجنائية للنتيجة بمعزل عن دقتها التقنية.
تاسعاً: النسبة 99.99% بلا أساس إحصائي معلن
عاشراً: إشكاليات التوثيق الرسمي
تظهر حقول الرقم واليوم والتاريخ في رأس الوثيقة الرسمية فارغة كلياً. التوقيع الوحيد الظاهر يعود إلى مدير إداري بصفة عسكرية لا إلى خبير جنائي علمي معتمد، والوثائق تحمل ختم الإعلام الأمني لا ختم مختبر جنائي مستقل. الختم الإعلامي لا يعوّض الختم الفني، والتوقيع الإداري لا يعوّض توقيع المحلل أو المراجع العلمي، وغياب هذه العناصر يضع الوثيقة دون الحد الأدنى من متطلبات الأدلة الجنائية المعتمدة.
حادي عشر: غياب بيانات كيت المعايرة وسجل المراجعة
ما تكشفه هذه المراجعة أن الادعاء الذي روّجت له مليشيا الحوثي الإرهابية لا يستند إلى دليل DNA صالح لإثبات نسب المرأة إلى صدام حسين. الفحص، وفق ما تعرضه الوثائق ذاتها وبيان داخلية المليشيا، لم يُقارن بعينة من صدام حسين ولا بقريب بيولوجي موثّق له، بل بعينات لأشخاص لا تظهر أي صلة مثبتة بينهم وبينه.
وبمعزل عن هذا الخلل البنيوي في موضوع المقارنة، تُظهر الوثائق اختلالات فنية وإجرائية متراكمة: تناقض في توصيف العينة، خطأ علمي في عنوان التقرير، توقيت رقمي غير متوافق مع اليمن، تعارض في أرقام الملفات، غياب مخرجات العينة الأساسية، حجب الصفحة الثانية من التحليل، انعدام سلسلة الحيازة، نسبة إحصائية بلا أساس معلن، وتوثيق رسمي غير مكتمل.
المشكلة لا تكمن في ثغرة واحدة قابلة للتفسير أو التبرير، بل في تراكم اختلالات تمس أصل المقارنة وسلامة العينة واكتمال الملف وقابلية التتبع والأساس الإحصائي والاعتماد الفني معاً. وهذا التراكم بحد ذاته يجعل هذه الوثائق، بصورتها المتداولة، غير صالحة دليلاً جنائياً أو علمياً على نسب المرأة إلى صدام حسين، ولا يمكن اعتمادها في أي إجراء قانوني دولي دون فحص مستقل من جهة معتمدة للتحقق من أصل الوثائق ومسار إنتاجها وسلسلة حيازتها واعتماد المختبر المُصدِر.
------------
في ألمانيا. تتخصص في الشأن اليمني والسياسات الإقليمية، وتتابع مسار الصراع في اليمن وتداعياته السياسية والقبلية والإنسانية عن قرب من موقعها في أوروبا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news