مراكز الحوثي الصيفية.. مصانع لتفخيخ الوعي وتطييف المجتمع

مراكز الحوثي الصيفية.. مصانع لتفخيخ الوعي وتطييف المجتمع

في لحظة فارقة من تاريخ اليمن، أحكمت جماعة الحوثي قبضتها على العاصمة صنعاء، وأسقطت مؤسسات الدولة، واستولت على مقدراتها العسكرية والأمنية والإدارية، ثم شرعت في فرض مشروعها الطائفي والسلالي على المجتمع بالقوة والإكراه، لكن الأمر تعدى كونه مجرد انقلاب على سلطة سياسية قائمة، إلى عمل ممنهج على إعادة تشكيل هوية اليمنيين ووعيهم الجمعي وفق رؤية مذهبية خبيثة تؤمن بالتمييز السلالي وتمنح فئة بعينها حق الوصاية والسيطرة على الناس تحت غطاء الإدعاء ديني.

ورغم ما امتلكته الجماعة من نفوذ وسلاح وأجهزة قمع، فقد اصطدمت بحقيقة عميقة لم تستطع تجاوزها؛ وهي أن المجتمع اليمني لم يتحول إلى حاضنة حقيقية لمشروعها، ولم يندمج وجدانياً وفكرياً مع أفكارها الطائفية، وما بدا في ظاهره خضوعاً واسعاً لم يكن في جوهره سوى " مهادنة " فرضته القبضة الأمنية، وسياسات البطش والتنكيل، وحالة الرعب التي صنعتها الجماعة في مناطق سيطرتها، ولهذا ظل الحوثي يدرك أن المجتمع الذي أخضع بالقوة قد ينقلب عليها متى ما سنحت الفرصة وتراجعت سطوة السلاح.

من هنا تشكلت لدى الجماعة قناعة راسخة بأن السيطرة العسكرية( وإن كانت صلب القوة التي تعتمد عليها ) لا تكفي وحدها لترسيخ مشروعها وضمان استمراره، وأن إخضاع المجتمع أمنياً لا يوازي كسبه فكرياً وثقافياً، لذلك اتجه الحوثي إلى معركة أكثر خطورة وعمقاً؛ معركة إعادة صياغة الوعي الجمعي، وصناعة أجيال مؤدلجة تؤمن بأفكاره وتتعامل معها باعتبارها حقائق دينية ومسلمات مقدسة لا يجوز مساءلتها أو الاعتراض عليها.

في هذا المسار، احتل قطاع التعليم موقعاً محورياً ضمن استراتيجية الجماعة، باعتباره المساحة الأوسع للتأثير على العقول وتوجيه الأجيال، وعمل الحوثي على تحويل العملية التعليمية إلى أداة تعبئة مذهبية، وأعاد صياغة المناهج الدراسية بما يخدم مشروعه الطائفي والسلالي، ودفع باتجاه تكريس مفاهيم التقديس للجماعة وربط الدين بقيادتها، مع غرس أفكار الاصطفاء والاستعلاء في أذهان الطلاب منذ المراحل الأولى للتعليم.

ولأن المدرسة وحدها لا تحقق الغاية التي يسعى إليها المشروع الحوثي، فقد منحت الجماعة ما تسميه المراكز الصيفية أهمية استثنائية، وحولتها إلى واحدة من أخطر أدوات الاستقطاب والتلقين العقائدي، وفي كل عطلة صيفية، تستدرج الجماعة آلاف الأطفال والفتيان إلى هذه المراكز، يخضعون فيها لساعات طويلة من التعبئة الفكرية المغلقة، في بيئة معزولة عن أي خطاب مختلف أو مساحة للرقابة الأهلية والمجتمعية.

وتتضاعف خطورة هذه المراكز حين نعلم أن الجماعة تستهدف أطفالا في أعمار شديدة الهشاشة، تبدأ من الخامسة والسادسة وتمتد إلى الثانية عشرة وما بعدها، وهي المرحلة الأكثر قابلية للتأثر وإعادة التشكيل النفسي والفكري، ليلقن الأطفال مفاهيم الطاعة المطلقة، وثقافة العنف، وخطاب الكراهية، ويدفع بهم إلى تبني رؤية ترى الجماعة ممثلا حصريا للدين، فيما يصور المختلفون معها باعتبارهم خصوما للعقيدة والهوية والإيمان.

لقد تجاوزت شعوب العالم منذ قرون طويلة أفكار الاصطفاء العرقي والتفوق السلالي، وأسقطت أنظمة حاولت تكريس هذه النزعات وإلباسها ثوب القداسة، غير أن الحوثي ما يزال يسعى إلى إعادة إنتاجها في اليمن، مستثمرا العاطفة الدينية لدى الناس، كغطاء يمنح مشروعه قداسة مصطنعة، ويبرر عبرها السعي لفرض الوصاية على المجتمع والدولة والناس كافة.

وعلى هذا الأساس، فإن معركة اليمنيين مع الحوثي تتجاوز حدود الصراع السياسي على السلطة، وتمتد إلى معركة دفاع عن هوية المجتمع، وعن فكرة الدولة الوطنية، وعن حق الإنسان اليمني في أن يعيش مواطنا حرا لا تابعا لمشروع كهنوتي قائم على السلالة والتمييز، وهي معركة وعي بالدرجة الأولى، لأن الجماعة تدرك أن بقاءها الحقيقي لا يتحقق بالبندقية وحدها، وإنما بصناعة جيل يتشبع بأفكارها، ويتعامل معها باعتبارها جزءا من الدين والحقيقة والتاريخ.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

سلطان العرادة: التحريض ضد دعم طارق صالح لجرحى مأرب محاولة لشق الصف الوطني

حشد نت | 470 قراءة 

صدمة في اللحظات الأخيرة بعد اكتشاف إصابة عريس بمرض خبيث قبيل حفل الزفاف بعدن

كريتر سكاي | 242 قراءة 

أحاطت مجلس الأمن بملفات الفساد والتمرد.. الحكومة تطالب بعقوبات دولية على “الزبيدي” ومعرقلي التسوية السياسية

بران برس | 219 قراءة 

الكشف عن هوية طبيب العظام الذي توفى بعد ان سقط من الطابق الثالث في عدن

كريتر سكاي | 201 قراءة 

كواليس مشادة ساخنة في مؤتمر رسمي بعدن.. محافظ سقطرى الموالي للانتقالي يشكك بيمنية الجزيرة ووكيل أبين يعترض  

الهدهد اليمني | 183 قراءة 

سياسي سعودي يعلق على طلب الحكومة اليمنية فرض عقوبات على الزبيدي

كريتر سكاي | 178 قراءة 

صورة من رصد يافع تشعل موجة غضب واسعة.. والمواطنون يتساءلون: إلى متى؟

كريتر سكاي | 142 قراءة 

احتجاجات معارضة تحاصر منتخب إيران خارج الملعب في مونديال كأس العالم

حشد نت | 139 قراءة 

نهاية مأساوية لطبيب عظام في عدن.. سقوط من الطابق الثالث والتحقيقات تكشف هذه الأسرار

نافذة اليمن | 134 قراءة 

اليمن يدعو كافة شركات الطيران الراغبة إلى استئناف وتشغيل رحلاتها إلى مطار عدن

عدن حرة | 130 قراءة