اليمن في مهب العبث: انهيار البوصلة الوطنية وجرّ البلاد إلى هاوية التفكيك الشامل
يمرّ اليمن اليوم بمنعطف وجودي بالغ الخطورة، تتكثف فيه مظاهر العبث السياسي والانهيار الوطني على نحو غير مسبوق، وسط انحراف صارخ عن المعركة المصيرية التي من أجلها قدّم اليمنيون تضحيات جسام: معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وبناء وطن آمن وعادل. فما يجري لم يعد مجرد إخفاقات عابرة، بل مسارًا منظمًا لإفراغ المشروع الوطني من مضمونه، واستبداله بصراعات عبثية وحروب نفوذ ومشاريع تفكيك تهدد بابتلاع ما تبقى من فكرة اليمن.
بدل أن تتجه كل الطاقات إلى كسر الانقلاب واستعادة العاصمة وبسط سلطة الدولة، انزلقت القوى المناهضة للحوثيين إلى مستنقع صراعات داخلية مدمرة، وتحولت البنادق من صدور الانقلابيين إلى صدور الشركاء، وتحوّل الخلاف السياسي إلى معارك كسر عظم، أضعفت الجبهة الوطنية، وفتحت للحوثي أبواب النجاة وإعادة التموضع وتعزيز السيطرة. لقد أُهدرت الفرصة التاريخية، ودُفعت البلاد إلى مربع التيه والضياع.
وفي قلب هذا العبث، جرى تدمير الحياة السياسية بشكل ممنهج، عبر تهميش الأحزاب وإقصائها، والتعامل بدلًا عنها مع أفراد معزولين بلا غطاء مؤسسي ولا شرعية تنظيمية، في مسعى مكشوف لتحويل السياسة إلى سوق ولاءات، وشراء المواقف، وتفكيك العمل الوطني المنظم. وهو نهج يضرب جوهر الدولة الحديثة، ويحوّل القرار الوطني إلى رهينة أمزجة ومصالح ضيقة.
وترافق ذلك مع تفجير ممنهج لخطاب الكراهية والطائفية والمناطقية، حتى باتت الهوية اليمنية الجامعة مستهدفة في الصميم. جرى ضخ هذا الخطاب السام عبر الإعلام والمنصات السياسية، لإعادة إنتاج أخطر أدوات التمزق الاجتماعي، وبث الشك والعداء بين أبناء الشعب الواحد، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى أعلى درجات التلاحم لمواجهة أخطر تحدٍ في تاريخه الحديث.
أما القضايا الوطنية العادلة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، فقد تم اختطافها من مسارها الطبيعي وتحويلها إلى أدوات للمزايدة والابتزاز السياسي، لتتوالد عنها مشاريع تفكيكية أخرى تهدد بتشظي البلاد إلى كيانات متناحرة، من دعوات الانفصال، إلى مشاريع الكيانات المناطقية، في مشهد يعكس انهيارًا شاملًا في الوعي السياسي وانعدام أي رؤية وطنية جامعة.
وفي قمة هذا الانهيار، يقف المجلس الرئاسي والحكومة عاجزين ومشلولين، غارقين في مستنقع المحاصصة وتقاسم النفوذ وتدوير المصالح، بعيدًا عن هموم الناس وواجبات الدولة. غابت هيبة السلطة، وتلاشى حضور المؤسسات، وتحولت الشرعية إلى هياكل شكلية بلا قرار ولا سيادة، فيما يتفاقم الانهيار الاقتصادي، وتتسع رقعة الفقر والجوع والحرمان.
والأدهى من ذلك، أن القرار السيادي اليمني بات شبه معطّل، تُدار أهم ملفات الدولة من خارجها، في سابقة خطيرة تكشف عمق الفراغ والعجز. ورغم الامتنان لأي دعم، إلا أن استمرار هذا الوضع يضع علامة استفهام كبرى حول معنى وجود سلطة لا تحكم ولا تقرر ولا تتحمل مسؤولية، وتكتفي بدور المتفرج على انهيار الوطن.
إن الحديث عن مرحلة جديدة دون كسر هذا المسار الكارثي ليس سوى تضليل للرأي العام. فاليمن لا يحتاج ترقيعًا سياسيًا ولا حكومات محاصصة، بل يحتاج صدمة إنقاذ وطني، تقطع مع الفساد والعجز والتبعية، وتؤسس لسلطة كفاءة وشجاعة، تمتلك الإرادة لاتخاذ قرارات مؤلمة ولكن ضرورية، وتعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها.
اليوم، لم يعد السؤال: من يحكم؟
بل: هل سيبقى وطن يُحكم؟
إن استمرار هذا الانحدار يضع اليمن على حافة التفكك الشامل، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل وطن محطم وشعب منكوب ومستقبل معتم.
إن لم تُستعد البوصلة الوطنية فورًا، ويُعاد توجيه الصراع نحو العدو الحقيقي، فإن التاريخ لن يرحم، وستُسجَّل هذه المرحلة بوصفها اللحظة التي أُهدرت فيها الدولة، وضاع فيها الوطن.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news