رشاد العليمي ومسار استعادة الدولة اليمنية

رشاد العليمي ومسار استعادة الدولة اليمنية

علي محمد طريق

تمرّ البلدان بمنعطفات حاسمة وخطيرة لا يبرز فيها إلا القادة الذين يمتلكون مزيجًا فريدًا من الخبرة العملية والعمق المعرفي. وفي سياق الأزمة المعقّدة التي تمرّ بها اليمن، يمثّل فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، نموذجًا لهذا القائد الذي يجمع بين القائد الكفوء، والإداري المخضرم، والرصيد الأكاديمي المتخصص، ليقود دفة الدولة في أصعب مراحلها.

مسيرة الدكتور رشاد العليمي ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج عقود من العمل القيادي والإداري في عدد من مفاصل الدولة اليمنية السيادية والحساسة. وخلال تلك العقود أثبت جدارته في مختلف المناصب التي تولاها، بدءًا من تخرجه في كلية الشرطة عام 1975، مرورًا بتدرجه في السلكين الأمني والإداري، وصولًا إلى منصب نائب رئيس الوزراء وزير الإدارة المحلية.

ويُعدّ تولّيه منصب نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية إبان فترة حكم الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح محطةً مفصلية، برزت خلالها كفاءة الرجل في إدارة ملفات الأمن المعقّدة والحفاظ على النظام العام؛ إذ كان من وضع ونفّذ خطة الانتشار الأمني، ورفع من كفاءة عمل وزارة الداخلية، ويُعدّ عهده- بشهادة كثيرين- من أفضل الفترات التي مرّت بها الوزارة. وقد منحتْه هذه الخبرة الأمنية والإدارية العميقة بصيرةً نافذة لفهم آليات عمل الدولة وتحدياتها الداخلية والخارجية، وكيفية صون مركزها القانوني.

ويتميّز الدكتور العليمي عن كثير من القادة السياسيين الذين حكموا اليمن برصيده العلمي والأكاديمي المتين؛ فهو حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية، حيث نال درجة الدكتوراه عام 1988م.

لقد منحَه تخصّصه في علم الاجتماع، وهو العلم الذي يدرس بنية المجتمع وتفاعلاته وسلوكياته، أداةً تحليلية فريدة لفهم جذور الأزمة اليمنية والتعقيدات الاجتماعية والقبلية التي تحكم المشهد العام. ويتيح له هذا العمق الأكاديمي اتخاذ قرارات لا تقتصر على الحلول الأمنية أو السياسية الآنية، بل تمتد إلى رؤية مجتمعية شاملة تهدف إلى إعادة بناء النسيج الاجتماعي للدولة.

وفي خضم الصراع الأخير الذي شهدته اليمن نتيجة التحرك الأحادي الذي قام به المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في المحافظات الشرقية، برز موقف الدكتور العليمي كحارس أمين وصلب على المركز القانوني للدولة اليمنية، في منعطف خطير ومرحلة حرجة. فقد واجهت الدولة محاولة تمرّد خطيرة هددت بتقويض سيادتها ووحدة قرارها. وفي هذا السياق، وقف الرئيس العليمي بقوة منطلقًا من التزاماته ومهامه الدستورية، واتخذ خطوات سريعة في مواجهة هذا التحرك، وأبدى موقفًا قويًا وحازمًا برفض أي إجراءات أحادية تُقوّض الدولة أو تخلق واقعًا موازيًا خارج إطار المرجعيات الدستورية والقانونية. ويجسّد هذا الإصرار على التمسك بالشرعية والثوابت الوطنية العليا عقل الدولة الذي يدير به الأزمة، مؤكدًا أن الدولة ستواجه أي تمرّد على مؤسساتها ولن تسمح بحدوثه.

ويُعرف عن الدكتور رشاد العليمي هدوؤه الذي يخفي وراءه إدارةً محكمة ومعقّدة، وإدراكًا عميقًا لخيوط اللعبة السياسية والعسكرية، في بلد اعتاد الصخب والاستعراض، وأحيانًا الفهلوة السياسية، وهو ما لا يظهر في شخصيته. فالرجل يقدّم الحكمة والواقعية، متكئًا على خبرة طويلة في الشأن اليمني، ويفضّل إدارة الإيقاع بنهج ثابت ومرن يفضي إلى تصحيح المسار. هذا الهدوء ليس ضعفًا، بل حكمة قائد صقلتها عقود من الخبرة، وإدارة أكاديمي يزن الأمور بميزان التحليل الاجتماعي، وخبرة عملية يدرك من خلالها خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد، خاصةً وأنها ليست في معزل عن التجاذبات الإقليمية والدولية، وهو عامل يضعه الرئيس ضمن حساباته.

يدير الرجل الأزمة بعقلانية تسعى إلى تحقيق هدف استراتيجي واحد يتمثل في إخراج اليمن إلى برّ الأمان عبر استعادة مؤسسات الدولة وتوحيد الصف الوطني، بعيدًا عن لغة الانفعال والقرارات الشعبوية.

كما أن دعوته لعقد مؤتمر جنوبي– جنوبي جاءت إيمانًا منه بعدالة القضية الجنوبية، والسعي إلى الخروج بنتائج تُصحّح أخطاء الماضي وتُغلق الباب أمام المزايدين والمتربصين باليمن.

وفي الختام، يمثّل الدكتور رشاد العليمي شخصية قيادية استثنائية في لحظة استثنائية تشهدها اليمن، حيث تتضافر خبرة رجل الدولة والأمن والإدارة مع عمق الباحث الاجتماعي. وهذا المزيج هو ما يجعله قادرًا على إدارة التحديات الراهنة بحكمة، وحماية المركز القانوني للدولة، والعمل بصمت وثبات نحو استعادة اليمن واستقراره.

تعليقات الفيس بوك

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

سلطان العرادة: التحريض ضد دعم طارق صالح لجرحى مأرب محاولة لشق الصف الوطني

حشد نت | 460 قراءة 

صدمة في اللحظات الأخيرة بعد اكتشاف إصابة عريس بمرض خبيث قبيل حفل الزفاف بعدن

كريتر سكاي | 213 قراءة 

أحاطت مجلس الأمن بملفات الفساد والتمرد.. الحكومة تطالب بعقوبات دولية على “الزبيدي” ومعرقلي التسوية السياسية

بران برس | 186 قراءة 

الكشف عن هوية طبيب العظام الذي توفى بعد ان سقط من الطابق الثالث في عدن

كريتر سكاي | 180 قراءة 

كواليس مشادة ساخنة في مؤتمر رسمي بعدن.. محافظ سقطرى الموالي للانتقالي يشكك بيمنية الجزيرة ووكيل أبين يعترض  

الهدهد اليمني | 157 قراءة 

الميسري وقيادات سياسية وعسكرية يزورون قبر الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي

شمسان بوست | 149 قراءة 

الأوقاف اليمنية تحدد سقف أسعار برامج العمرة بهذا السعر وتتوعد المخالفين

نيوز لاين | 148 قراءة 

احتجاجات معارضة تحاصر منتخب إيران خارج الملعب في مونديال كأس العالم

حشد نت | 131 قراءة 

العرادة يكشف عن تحريض ممنهج ضد طارق صالح عقب دعمه جرحى الحرب في مأرب

نافذة اليمن | 125 قراءة 

صورة من رصد يافع تشعل موجة غضب واسعة.. والمواطنون يتساءلون: إلى متى؟

كريتر سكاي | 117 قراءة