في مجالس صنعاء القديمة وبينما ينساب صوت العود (القنبوس) ممتزجاً برائحة البخور الشذّي، تسمع كلماتٍ تبدو فصيحة في تركيبها وعامية في رقتها، قريبة من القلب بلهجتها اليمنية وقوية في بنائها الشعري، هذا هو "الشعر الحُميني" المبتكر اليمني الذي كسر جمود اللغة ليصنع ثورة غنائية لا تزال أصداؤها تتردد في "قوائم التشغيل" حتى عام 2026.
ما هو السر في الخلطة الحُمينية؟
يعرف الشعر الحميني بأنه "المنزلة بين المنزلتين" فهو لا يغرق في العامية المبتذلة، ولا يتقيد بالفصحى الصارمة التي قد تحجب المشاعر خلف تعقيدات النحو. لقد أراد الشعراء اليمنيون الأوائل خلق لغة تشبه حياتهم: لغة تفهمها "بنت الجيران" ويطرب لها "عالم اللغة".
يجمع الحميني بين أوزان الشعر العربي الفصيح وبين المفردة اليمنية الرشيقة مما منحه مرونة هائلة جعلته القالب المثالي للأغنية الصنعانية.
لماذا يغنيه عمالقة الفن الصنعاني؟
عندما تستمع لعمالقة مثل محمد حمود الحارثي، علي بن علي الآنسي، أو أحمد السنيدار، فأنت في الحقيقة تستمع لقصائد "حمينية" كتبت قبل مئات السنين، السر يكمن في "الطواعية"؛ فالشعر الحميني صمم ليلحن قوافيه الداخلية وتجانس حروفه، تمنح المؤدي مساحة للإبداع في "الموال" والتنقل بين المقامات الموسيقية بسلاسة مذهلة.
الحميني سفير اليمن إلى اليونسكو
لم يكن غريباً أن تدرج منظمة اليونسكو "الغناء الصنعاني" (القائم أساساً على الشعر الحميني) ضمن روائع التراث اللامادي للبشرية، إنه فن يعكس هوية مجتمع بأكمله؛ فقصائد مثل "يا مكحل عيوني بالسهر" أو "وا مغرد بوادي الدور" ليست مجرد كلمات بل هي توثيق لمشاعر الحب، الهجر، والتعلق بالأرض والإنسان في اليمن.
لماذا نعتز به اليوم؟
في عصر العولمة، يبرز الشعر الحميني كدرع ثقافي يذكرنا بأن اليمنيين لم يكونوا محاربين فحسب، بل كانوا "مهندسي كلمات" و"صنّاع بهجة"، لقد استطاع هذا الشعر أن يحافظ على اللهجة اليمنية من الاندثار، وأن ينقلها للعالم العربي كأحد أرقى أشكال الفن الوجداني.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news