أين المليارات التي تُنهب كضرائب وزكاة من هؤلاء المحتاجين؟
في بلدٍ أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات المتلاحقة، لم يعد سؤال الفقراء عن لقمة العيش سؤالًا عابرًا، بل صار اتهامًا صريحًا لمن يمسكون بزمام المال والقرار. فمع اتساع رقعة الجوع وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، يبرز تساؤل جوهري يردده اليمنيون في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي: أين تذهب المليارات التي تُجبى باسم الضرائب والزكاة والرسوم المختلفة، ولماذا لا يظهر لها أي أثر في حياة المحتاجين؟
سنويًا، تُحصّل مليشيا الحوثي مبالغ هائلة من التجار والمواطنين تحت مسميات متعددة، تبدأ بالضرائب والجمارك ولا تنتهي عند الزكاة والخُمس والمساهمات الإجبارية. هذه الأموال، التي يُفترض أن تكون شريان حياة للفقراء ووسيلة لتخفيف آثار الأزمة الإنسانية، تحولت في واقع الأمر إلى عبء إضافي يثقل كاهل المجتمع، دون أن يلمس المواطن أي تحسن في الخدمات أو الظروف المعيشية.
في الأحياء الشعبية والأسواق المكتظة، تتكرر مشاهد العوز: أسر تعيش على وجبة واحدة في اليوم، أطفال محرومون من التعليم، ومرضى لا يجدون ثمن الدواء. وفي المقابل، تستمر حملات الجباية بوتيرة متصاعدة، حتى بات المواطن يشعر أن الفقر نفسه صار ضريبة تُفرض عليه قسرًا. هذا التناقض الصارخ بين حجم الأموال المُحصّلة وحجم المعاناة اليومية يفتح الباب أمام اتهامات واسعة بسوء الإدارة والفساد والنهب المنظم.
تقارير اقتصادية دولية حديثة تؤكد أن مناطق سيطرة الحوثيين تشهد تدهورًا اقتصاديًا متسارعًا، نتيجة السياسات الجبائية التعسفية التي تستهدف مختلف القطاعات دون استثناء. فقد فرضت المليشيا خلال الأشهر الماضية رسومًا إضافية على التجار بحجج متعددة، من دعم الإنتاج المحلي إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، وصولًا إلى ما سمّته «إصلاح أرصفة موانئ الحديدة». غير أن هذه الرسوم انعكست مباشرة على أسعار السلع، لتُشعل موجة غلاء جديدة في الأسواق.
ووفقًا لتقرير صادر عن «شبكة الإنذار المبكر للاستجابة للمجاعة»، فإن الضغوط المالية المفروضة على القطاع الخاص في مناطق الحوثيين باتت تهدد بقاء مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة، بعدما اضطرت العديد منها إلى الإغلاق نتيجة ارتفاع التكاليف وتراجع الطلب. وأشار التقرير إلى أن فرض ضريبة جمركية بنسبة 100% على السلع غير الغذائية المستوردة أدى إلى خروج عدد كبير من محلات التجزئة من السوق، في ظل عجزها عن مواكبة هذه الزيادات.
هذا التدهور لم يقتصر على قطاع التجارة فقط، بل امتد ليشمل سوق العمل بشكل عام. فالأعمال اليومية والحِرف الحرة، التي كانت تشكّل مصدر الدخل الرئيسي لآلاف الأسر، شهدت تراجعًا حادًا بسبب انخفاض القدرة الشرائية وركود الأسواق. ويحذّر خبراء من أن استمرار هذا الوضع سيحرم الأسر الفقيرة حتى من خيار الشراء بالتقسيط، الذي كان ملاذها الأخير خلال السنوات الماضية.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الجبايات، تستمر مليشيا الحوثي في تجاهل أبسط الالتزامات تجاه المواطنين، وعلى رأسها صرف رواتب موظفي الدولة، التي توقفت للعام التاسع على التوالي. هؤلاء الموظفون، الذين يعتمد عليهم تشغيل المرافق العامة، يعيشون اليوم على مساعدات الأقارب أو أعمال مؤقتة لا تسد رمقهم، في واحدة من أطول أزمات الرواتب في العالم.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسات الجبائية تأتي في ظل تحذيرات أممية متكررة من تفاقم انعدام الأمن الغذائي. فقد كشف تقرير حديث لبرنامج الغذاء العالمي أن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تسجّل أعلى معدلات الفقر الغذائي الحاد، بنسبة تصل إلى 36%. كما أشار إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال، خاصة دون سن الخامسة، نتيجة انخفاض تنوع الغذاء وانتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية.
ورغم هذه المؤشرات الخطيرة، تواصل المليشيا فرض رسوم جديدة ورفع سعر الدولار الجمركي، سواء على السلع القادمة عبر موانئها أو تلك القادمة من ميناء عدن، في محاولة للضغط على التجار وتحويل مسار الاستيراد لصالحها. وقد أدى رفع الدولار الجمركي إلى مستويات تتراوح بين 300 و350 ريالًا إلى زيادة تكاليف الاستيراد بنسبة كبيرة، انعكست مباشرة على أسعار السلع الأساسية.
ويرى اقتصاديون أن هذه الإجراءات ليست عشوائية، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى السيطرة على الموارد المالية للسوق، حتى وإن كان الثمن هو تجويع المجتمع. فبدلًا من توجيه هذه الإيرادات لتحسين الخدمات أو دعم الفئات الأشد فقرًا، تُستخدم –بحسب تقارير وشهادات متعددة– في تمويل الأنشطة العسكرية والدعائية، وإثراء قيادات ومشرفين على حساب عامة الناس.
ومع اتساع رقعة الجوع، لم تكتفِ المليشيا بفرض الجبايات، بل لجأت إلى القمع لإسكات الأصوات الغاضبة. فقد شهدت الأسابيع الماضية حملات اعتقال طالت مواطنين وناشطين وفنانين، فقط لأنهم تحدثوا عن الجوع أو طالبوا بحقوقهم المعيشية. صرخات البسطاء التي خرجت إلى العلن وُوجهت بالاختطاف والتخوين، في محاولة واضحة لزرع الخوف ومنع أي حراك شعبي.
هذه الممارسات تعكس، وفق محللين، حالة خوف حقيقية لدى المليشيا من انفجار اجتماعي محتمل. فصوت الجائع أخطر من أي سلاح، لأنه يفضح زيف الشعارات ويكشف حقيقة الواقع. وحين يدرك المواطن أن المليارات التي تُجمع باسمه لا تعود عليه بشيء، تتآكل شرعية من يتحكمون بهذه الأموال، مهما حاولوا الاحتماء بالقوة.
في المحصلة، يبقى السؤال معلقًا بلا إجابة واضحة: أين تذهب المليارات التي تُنهب كضرائب وزكاة من أفواه الجائعين؟ ولماذا يُترك الملايين يواجهون الفقر والمجاعة، بينما تتكدس الإيرادات في أيدي قلة؟ الإجابة، كما يرى كثيرون، تكمن في غياب الشفافية والمحاسبة، واستمرار منظومة نهب ممنهجة لا ترى في المواطن سوى مصدرًا للجباية، لا إنسانًا له حق في الحياة والكرامة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news