عاصفة الحزم والأمل.. تراجيديا النهايات

عاصفة الحزم والأمل.. تراجيديا النهايات

التاريخ السياسي لا يسير في خطوط مستقيمة، والعلاقات لا تُدار بمنطق التطابق الكامل أو التبعية المطلقة، بل بحسابات المصالح وحدود الأمن المشترك.

غير أن هذا المنطق، مهما ضاق أو اتسع، لا يبرر اطلاق مسار قد يُنتج جرحاً عميقاً ومستداماً في الذاكرة الجنوبية. فالحرب التي يتم تأليف أهدافها في إعلام المملكة لا تكشف عن موقف يستهدف وحدة أراضي الجنوب وحسب بل كثيراً ما تفضح ارتباك القرار.

أما بيانات التبرير، تحت عناوين حماية المدنيين أو خفض التصعيد، حين تُسقِط من حسابها طبيعة الفاعل على الأرض، وتتعامل مع القوات الجنوبية كأنها جسم طارئ أو "غزو خارجي"، فإنها لا تُبرّر الفعل بقدر ما تُعرّيه أخلاقياً وسياسياً.

من هنا، فإن قصف ميناء المكلا لا يمكن قراءته كحدث عسكري معزول، بل إنطلاقة ثقيلة الدلالة. وكان المنتظر، من منطق الدولة الكبيرة، ألا يُدار التباين حول الوجود العسكري الجنوبي في وادي وصحراء حضرموت من خلال كسر الإرادات بل عبر مقاربة تعترف بالقلق الجنوبي بوصفه قلقاً مشروعاً، نابعاً من تجربة تاريخية مُكلفة، وليس من لحظة سياسية عابرة.

إن إنكار الاختلالات الأمنية، وعلى رأسها تمدد القاعدة تحت غطاء "المنطقة العسكرية الأولى"، لا يناقض فقط منطق الأمن الاستراتيجي، بل يؤكد مشروعية تحرك القوات الجنوبية. فإدارة الجغرافيا الحساسة بالاتكاء على واقع أمني هش، وأدوات قبلية ظرفية أو مجالس بلا أرضية حقيقية، ليست سوى إعادة إنتاج لسجل طويل من الإخفاقات في سياسة المملكة.

إن الخطاب الاعلامي السعودي حاول القفز فوق هذه الحقائق، بل وتجاوز أحياناً حتى سرديات إعلام تنظيم الإخوان في مستوى التضليل. ومع أن هذا الإعلام لا يشكّل معياراً أحادياً لسياسات الدولة، إلا أن خطورته تكمن في إنتاج غطاء نفسي وأخلاقي لقرارات خاطئة، وتحويلها إلى فعل يتسبب بخسارة احد أهم الحلفاء على الارض.

من زاوية استراتيجية أوسع، يصعب تصور أن تتجه المملكة إلى تفكيك واقع سياسي وأمني ساهمت بنفسها في بنائه منذ انطلاق عاصفة الحزم. فمثل هذا المسار لا يضر بالجنوب وحده، بل يُقوّض ما تبقى من مشروعية التحالف الذي تفكك فعلياً، ويعيق أي مسارات قادمة في مواجهة الحوثي حرباً أو سلماً كما أنه يكتب عملياً نهاية كيان "شرعية الخارج” التي لم تعد، موضوعياً، إطاراً جامعاً أو قادراً على تمثيل كافة الأطراف.

وفي السياق، ثمة قوى اعتادت البقاء في المناطق الرمادية، وتعيش على بيئات الصراع، وتقتات على تأجيج الفتن. هذه القوى، في كل مرحلة، تحاول التسلل عبر سياسات المملكة ذاتها، متخفية بأسماء "الشرعية" و"الدولة" و"الجيش الوطني"، وسائر المسميات الجاهزة، لتعيد تموضعها وتمكين أتباعها وإعادة تدوير نفوذها السياسي.

الجنوبيون لا يغادرون أرضهم ولا يشكلون عامل تهديد لأي دولة في الجوار فهم ثابتون حيث ينبغي أن يكونوا بوصفهم أهل البلد وأصحاب الحق، وليسوا كتلة قابلة للانزياح تحت يافطات التقية أو حيل البقاء.

ومن هنا فإن المضي في منطق التصعيد لا يفتح أفقاً للحسم ولا يعيد ترتيب المعادلة بل يهدد بنهايات مؤلمة لعاصفة الحزم التي لم تُحكم حزمها، سوى أنها تحولت من مشروع استعادة دولة مختطفة إلى استعداء الحلفاء ذاتهم. وتلك مأساة سياسية تاريخيّة تتحمل قائدة التحالف تبعاتها، وقد تترك آثارا عميقة يصعب تجاوزها أو ترميمها في المستقبل.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

قرار "سري" للعليمي بتعيين قيادة جديدة للاستخبارات.. هل يجدد نفوذ "الانتقالي"؟

الهدهد اليمني | 324 قراءة 

بدء الحصار على مأرب وسط ترحيب شعبي واسع

كريتر سكاي | 322 قراءة 

حديث سعودي يحسم مصير الانتقالي ويكشف حقيقة عودته بعدن

كريتر سكاي | 308 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الأول من محرم إجازة رسمية لكافة موظفي الدولة

حشد نت | 236 قراءة 

تعيين مثير للجدل.. العليمي يمنح منصباً رفيعاً لضابط سبق أن هاجم الحكومة وجيشها

موقع الجنوب اليمني | 225 قراءة 

الف ريال على كل غرابي في عدن

كريتر سكاي | 204 قراءة 

مناشدة يمنية للأشقاء في المملكة: إعادة النظر في رسوم تجديد الإقامة حفاظاً على استقرار أكثر من نصف مليون أسرة

البلاد نت | 199 قراءة 

شرطة الشيخ عثمان تفتح تحقيقًا في ملابسات وفاة داخل أحد فنادق عدن

الوطن العدنية | 147 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الاول من محرم إجازة رسمية 

شمسان بوست | 129 قراءة 

مكافأة منتظرة للنجم المغربي إسماعيل صباري بعد هدفه التاريخي أمام البرازيل

حشد نت | 102 قراءة