الملالاة… صوت الشجن الذي يعود من عمق الريف التعزي”

الملالاة… صوت الشجن الذي يعود من عمق الريف التعزي”

بشرى العامري:

في قلب الريف التعزي، حيث تتكئ القرى على كتف الجبال وتتناثر الحقول مثل صفحات خضراء، ينهض فن اصيل يُدعى الملالاة؛ فنٌ شعبي غنائي يمني، ينبض بإيقاع الأرض وحكايات الناس. هو موالٌ يتشكّل من أبيات موزونة، لكل بيت قافيته، ويفصل بينها مقطع صوتي يتكرر كالأنفاس المتعبة:

“”والله القسم ما فارق البياضــــــــــي

لو شارعوني عند ألف قاضــــي

طلعت نُهدة شقت الجبل طـــــــــول

شاصير على الفتان شهيد ومقتول

شاموت عطش والماء قدور وادواح

من المليح نظرة تــــــرد الأرواح””

… حرف اللام الراقص في “ألا ليليلي لي لي”، الذي منح هذا الفن اسمه وميزته الفريدة.

تنتشر الملالاة في أرياف تعز كأنها وشوشة مشتركة بين الجبال، رغم اختلاف الألحان وتنوّع الأداء. ومن الشمايتين إلى المواسط، ومن جبل حبشي إلى المعافر وخدير وحيفان، وحتى تخوم المقاطرة والقبيطة في محافظة لحج، يتشارك الناس هذا اللون الفني ذاته، كأنهم ينتمون إلى روح غنائية واحدة وذاكرة واحدة.

هناك، على ارتفاعات الهضاب وفي طرقات الفلاحين، يبدأ الصوت متكئاً على “الليليلي”، ثم ينفجر الشاعر ببيتٍ صيغ بعناء، بيتٌ خرج من رحم واقعة عاشها أو مشهد لامسه بوجعه وفرحه. فـ”الملالاة” ليست كلمات عابرة، بل مرآة حياة تُقال بصدق وبساطة، وتنمو مثل حبة قمح بين أصابع الفلاحين.

لا تُقال الملالاة ليلاً، فهي ابنة الضوء. يشتد شجنها بين العاشرة صباحاً وما قبل غروب الشمس، حين يذوب الظلّ ويتساوى التعب مع الحنين. وحين يجتمع الرعاة فوق القمم أو ينحني الفلاحون على التراب، تتردد الملالاة كصلاة يومية، تشاركهم وحدتهم وعرقهم وطمأنينتهم.

ورغم جمال هذا التراث، ظل مهملاً موسيقياً لسنوات طويلة، ولم تبلغ جهود التوثيق مرحلة النضج. ومع ذلك، لم يغفل عنه كبار الفنانين اليمنيين الذين نهلوا من ألحانه الأولى—أيوب طارش، عبد الباسط عبسي، محمد مرشد ناجي—وجعلوه خيطاً من خيوط الهوية الغنائية اليمنية الشعبية، لكنها ظلت محاولات فردية، تشبه ومضة ضوء في ليل طويل.

وفي السنوات الأخيرة، أضاء جيل جديد الطريق. شبابٌ جعلوا من وسائل التواصل مكتبةً مفتوحة للملالاة، ينشرون تسجيلاتها القديمة ويعيدون لها حضورها، كأنهم يوقظون صوتاً نام طويلاً على صدر الجبل.

بين تلك الأصوات الشجية التي تتردد في الريف، والجهود التي تعيد هذا الفن إلى الواجهة، يعود صوت الملالاة ليؤكد أن التراث ليس مجرد ذكرى، بل روح حيّة تعيش مع الناس وفيهم.

وأن ما وُلد فوق الجبال معبراً عن شجن الناس وعشقهم… لا يموت.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

بدء الحصار على مأرب وسط ترحيب شعبي واسع

كريتر سكاي | 358 قراءة 

حديث سعودي يحسم مصير الانتقالي ويكشف حقيقة عودته بعدن

كريتر سكاي | 355 قراءة 

قرار "سري" للعليمي بتعيين قيادة جديدة للاستخبارات.. هل يجدد نفوذ "الانتقالي"؟

الهدهد اليمني | 349 قراءة 

تعيين مثير للجدل.. العليمي يمنح منصباً رفيعاً لضابط سبق أن هاجم الحكومة وجيشها

موقع الجنوب اليمني | 250 قراءة 

الخدمة المدنية تعلن الأول من محرم إجازة رسمية لكافة موظفي الدولة

حشد نت | 244 قراءة 

مناشدة يمنية للأشقاء في المملكة: إعادة النظر في رسوم تجديد الإقامة حفاظاً على استقرار أكثر من نصف مليون أسرة

البلاد نت | 212 قراءة 

غموض مقتل شابة داخل فندق بعدن.. الأمن يكشف آخر المستجدات ويترقب تقرير الطب الشرعي

نافذة اليمن | 178 قراءة 

شاهد | حلقة جديدة من “ ميكرفون بران” | تعاطي النساء للقات.. كيف ينظر له اليمنيون؟

بران برس | 135 قراءة 

مكافأة منتظرة للنجم المغربي إسماعيل صباري بعد هدفه التاريخي أمام البرازيل

حشد نت | 107 قراءة 

(وين عشال)!!.. تفاصيل صادمة لتبادل اتهامات بين قائد جهاز مكافحة الإرهاببعدن السابق وناشط سياسي

موقع الأول | 106 قراءة