وصاية الفكرة وموت الحوار: قراءة في الظاهرة (البطريركية)

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 119 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
وصاية الفكرة وموت الحوار: قراءة في الظاهرة (البطريركية)

في الفضاء الثقافي الافتراضي اليوم، تتجلى ظاهرة لافتة يمكن أن نسمّيها بـ”البطريركية الفكرية”، حيث يصرّ بعض الكتّاب والنقّاد على احتكار الحقيقة، وإطلاق الأحكام الجاهزة على الآخرين في بضعة أسطر، وكأنها وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. هذه الأحكام السريعة التي تُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي لا تحمل من النقد سوى قشرته، وهي أقرب إلى “كتابة فيسبوكية” أو “سندويشية” كما يمكن وصفها، تفتقر إلى العمق، وتغيب عنها الرؤية النقدية المؤسسة على قراءة واعية للنصوص والأفكار.

ليست المشكلة في إبداء الرأي، بل في التعالي على الرأي الآخر، وفي ظنّ البعض أن كلماتهم تمثل القول الفصل، وأن أحكامهم معصومة من الخطأ. تلك النزعة السلطوية في الكتابة تُعيد إنتاج نمط قديم من التفكير الأبوي الذي يوزّع الصواب والخطأ كما يشاء، ناسياً أن الثقافة المعاصرة لم تعد تتحمل هذه “الوصاية المعرفية”.

لقد غيّر العالم الافتراضي طبيعة التفاعل الثقافي؛ لم يعد هنالك من يمتلك سلطة الإفتاء النقدي أو احتكار المعنى. صار الفضاء مفتوحاً للجميع، من المتخصص إلى القارئ العادي، وكلٌّ بات قادراً على الوصول إلى المصادر وتحليل النصوص والاطلاع على السياقات. المعرفة لم تعد امتيازًا مغلقًا، بل أصبحت ملكًا مشاعًا يتداولها الجميع، مما يعني سقوط فكرة “المعلم الكبير” أو “المرجع الوحيد” الذي يحتكر الرؤية والقول.

غير أن بعض المثقفين لم يدركوا بعد هذا التحوّل، فظلّوا يكتبون من علٍ، متكئين على خطاب متعالٍ يعتقد أن الصواب حكر عليهم، وأن الاختلاف ضرب من الجهل أو سوء الفهم. هذا الوعي البطريركي في النقد والفكر هو ما يعطّل الحوار الحقيقي، ويُسقط قيمة التعدد المعرفي الذي نحتاجه لتجديد أدواتنا في الفهم والتعبير.

إننا بحاجة إلى وعي جديد بالنقد والحوار، يقوم على التواضع الفكري، والاعتراف بأن الحقيقة ليست مطلقة ولا نهائية، بل نسبية ومتعددة بتعدد زوايا الرؤية. فالناقد الحقيقي ليس من يُصدر الأحكام، بل من يُضيء الفكرة ويفتح أمامها آفاقاً للنقاش. أما الناقد الأبوي، فهو الذي يختزل النصوص في جمل متعجّلة، وينزع عن الكاتب حقه في الاختلاف والإبداع، ظانًّا أنه وحده من يملك مفاتيح الفهم والمعرفة.

الكتابة الحقيقية، في المقابل، هي فعل إصغاء وتأمل، لا فعل وصاية أو استعراض. من يكتب بوعي، يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن الحكم لا يكون إلا بعد فهم، وأن الحوار أساس كل نهضة فكرية. أما من يكتب بعجلة في العالم الافتراضي، فغالبًا ما يُسهم – من حيث لا يدري – في تعميم الجهل وتفريغ النقد من معناه.

في زمن يتسارع فيه تدفق المعرفة، لم يعد هناك “تابو” يمنح صاحبه قداسة فكرية. سقطت فكرة المعصوم ثقافيًا كما سقطت سلطة الكهنوت معرفيًا. ومن ثم، فإن التمسك بالرأي المنغلق، والرفض المسبق للحوار، يمثلان أزمة وعي حقيقية تحتاج إلى مراجعة عميقة.

ما أحوجنا اليوم إلى ثقافة تُنصت لا ثقافة تُصدر الأحكام، إلى عقل نقدي يتأمل لا عقل أبوي يتعالى. علينا أن نتعلم أن التواضع المعرفي ليس ضعفًا، بل هو قمة القوة، وأن الحوار لا ينتقص من أحد، بل يرفع الجميع نحو فضاء أوسع من الفهم والمشترك الإنساني.


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

اعلامي بارز تابع للانتقالي المنحل يفجر مفاجأة بعد وصوله الرياض.. ماذا قال عن الزبيدي؟

المشهد اليمني | 733 قراءة 

بعد عودته من الرياض.. الحنشي يكشف ما يجري هناك

موقع الأول | 629 قراءة 

صرخات (استغاثة) ومطاردة (هوليودية)!!.. تسريب فيديو اختطاف (٣) فتيات من الشارع أمام المواطنين!

موقع الأول | 525 قراءة 

اعلامي بارز تابع للانتقالي المنحل يفجر مفاجأة بعد وصوله الرياض.. ماذا قال عن الزبيدي؟

الخليج اليوم | 499 قراءة 

مدير مكتب ‘‘المحرمي’’ يكشف كواليس ما يحدث في الرياض: السعودية محتنا ‘‘الضوء الأخضر’’ وهذا ما قاله الأمير خالد

المشهد اليمني | 474 قراءة 

النعماني: شلال شائع يشرع في ”تفكيك“ إمبراطورية الزبيدي من الرياض وينتقم لسنوات الإقصاء

المشهد اليمني | 454 قراءة 

عاجل:الموافقة على استئناف الرحلات من مطار صنعاء

كريتر سكاي | 441 قراءة 

أبرزهم ‘‘هاشم الأحمر’’.. ثلاث قيادات عسكرية بارزة مرشحة لشغل منصب وزير الدفاع في حكومة الزنداني (الأسماء)

المشهد اليمني | 438 قراءة 

عقب مهمة الرياض.. عودة قيادات عسكرية رفيعة إلى حضرموت وسط ترتيبات جديدة

المشهد اليمني | 424 قراءة 

تسريبات تكشف ثلاثة مرشحين لمنصب وزير الدفاع في حكومة الزنداني المرتقبة أبرزهم العقيلي و الأحمر ( الأسماء)

يني يمن | 389 قراءة