ما أطال النوم عمراً

ما أطال النوم عمراً

*عزالدين سعيد الأصبحي:

** تسلّل إلى ذاكرتي وأنا أعود من سفر طويل، ذاك البيت من أغنية فيروز الشهيرة “سهار بعد سهار”،تقول فيه:

“النوم ..مين بينام غير الولاد؟.”.

أجرّ خطواتي في مطار بدا كمدينة نائمة. صالة شبه فارغة، أضواء باهتة، متاجر السوق الحرة مغلقة وكأنها استسلمت للكسل، وضابط الجوازات يرمقني بعينين متثاقلتين يحاول أن يغالب بهما أرقاً طويلاً. للحظة، خُيِّل إليّ أن العالم بأسره قد غفا، وأنني سأخرج إلى شوارع خالية من البشر.

لكن ما إن عبرت البوابة إلى الخارج حتى تبدد الوهم؛ فإذا بالمدينة تنبض بعكس ما توقعت. موسيقى صاخبة، أضواء تومض في كل زاوية، سيارات تجري مسرعة كأنها لا تعرف النوم، وشباب لا يهدأون، يملأون المكان ضجيجاً وحركة.

 حتى الصغار لم يعودوا أسرى النعاس الباكر؛ شاشات الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية تتخطفهم إلى عوالم لا تعرف التوقف. ضحكت بيني وبين نفسي وأنا أستمع إلى صوت فيروز يكرر:

“النوم.. مين بينام غير الولاد؟ بيغفوا وبيروحوا يلملموا أعياد…”

تلك الأغنية تحمل بدورها حكاية لطيفة؛ يُروى أن محمد عبدالوهاب زار عاصي الرحباني وتأخر في سهرته حتى همَّ بالمغادرة، فأراد عاصي أن يثنيه عن الرحيل فقال له: “سهار بعد سهار تا يحرز المشوار”، فتوقف عبدالوهاب مأخوذاً بالعبارة،وسأله أن يكملها. فما كان من عاصي إلا أن واصل حديثه العفوي الذي تحوّل في تلك الليلة إلى بذرة أغنية كاملة. لم يمض الصبح حتى كان عبدالوهاب قد وضع اللحن، وقدّم لفيروز واحدة من أجمل روائعها

وعندما سُئل عبدالوهاب عن سر إعجابه بالجملة قال: أعجبني حرف “التاء” الذي اختصر كلمة “علشان”، فكان اختزال العامية اللبنانية في أجمل صورها.

لست معنياً كثيراً بتمحيص صحة الرواية، بقدر ما يشدني جوهرها: النوم الباكر من نصيب الصغار، والسهر حصة الكبار. لكني تأملت وأنا أراقب من نافذة السيارة: هل هذا التصنيف ما زال قائماً؟ نحن اليوم نعيش زمناً مقلوباً؛ الصغار يسهرون على الشاشات حتى الصباح، والكبار يهرولون وراء أعمال مرهقة لا تترك لهم حتى لذة السهر الهادئ. النصائح القديمة تآكلت، ولم يعد أحد يصغي إليها.

 نحن اليوم أسرى عالم مقلوب، حيث النصائح القديمة لا تجد من يصغي إليها. وعوضاً عن حكم التجربة، صار الناس يتلقون مواعظهم من ناشط افتراضي في مقطع فيديو، وكل سؤال يُحال مباشرة إلى الذكاء الاصطناعي. أما صغار العقول فيتنطعون للفتيا ونشر المعلومات في قضايا الكون بلا علم ولا خبرة ولا حتى بعض أدب! وصار كل من اشتهر على منصة تواصل يُقدَّم بوصفه مفكر الأمة وصاحب نهضتها.

في مثل هذا الضجيج، يصبح النوم نعمة، لأنه يعصمك من الوقوع في بئر الضحالة هذه. غير أن الحياة أيضاً تغيّرت إيقاعاتها؛ من تسارع الخطى وقلة العطا.

الشباب قلبوا موازين الوقت والسرعة، وأعادوا تشكيل أساليب العيش والانتظار.

وصلت إلى بيتي في الحي القصي من المدينة المزدحمة، وقد تحولت موجات الراديو إلى صوت أم كلثوم تشارك حواراتي الداخلية وهي تغني من رباعيات الخيام:

“فما أطال النوم عمراً، ولا قصّر في الأعمار طول السهر.”

ابتسمت وقلت في نفسي: لو تدري أم كلثوم كم هي هذه الأمة بأسرها غارقة في نوم ثقيل، تغفل فيه عمّا ينبغي أن يشغلها. نوم يقصر أعمار أبنائها ويزيدهم خذلاناً.

ومن يسهرون فسهر لا يقظة فيه بل هو سبات آخر.

وقبل أن أنزل من السيارة، قطع السائق شرودي قائلاً:

“هذا حي هادئ للغاية.”

ابتسمت اعتقاداً بما اعتبرته إشادة، لكنه تابع:

“حي مناسب للمتقاعدين وكبار السن!”

* سفير بلادنا لدى المملكة المغربية

** نقلا عن جريدة الاهرام المصرية

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

شاهد | حلقة جديدة من “ ميكرفون بران” | تعاطي النساء للقات.. كيف ينظر له اليمنيون؟

بران برس | 273 قراءة 

قرار أمريكي يفرح اليمنيين والحوثيين يفسدون الفرحة بطريقة صادمة

نيوز لاين | 234 قراءة 

اول توضيح بشان مقتل شابة داخل فندق بعدن

كريتر سكاي | 201 قراءة 

بعد وصول المنحة السعودية.. تفاصيل بالأرقام لساعات (اللاصي والطافي) لكهرباء عدن

موقع الأول | 168 قراءة 

بين المنصورة وخور مكسر.. لقطات وثقتها كاميرا ناشط تكشف سراً خطيراً يهدد أمن عدن!

جنوب العرب | 159 قراءة 

القات يقود يمني إلى حبل المشنقة في مصر… ومحكمة الجيزة تحيل أوراقه لمفتي الجمهورية

شمسان بوست | 128 قراءة 

السعودية تزيح الستار عن إعدام يمني قصاصا بعد ارتكابه جريمة مروعة في مكة

نافذة اليمن | 118 قراءة 

لفك شفرة الجريمة.. تفاصيل جديدة لمقتل شابة داخل فندق بعدن وأول تعليق رسمي

موقع الأول | 102 قراءة 

مقترح حكومي لتقليص ساعات انطفاء الكهرباء في عدن بانتظار قرار التنفيذ

كريتر سكاي | 92 قراءة 

ملف الاغتيالات الدامية.. كواليس جديدة عن ليلة مقتل (الحمدي) وصعود (صالح)

موقع الأول | 89 قراءة