ما بعد القصّة.. ما بعد فيصل علوي

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 184 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
ما بعد القصّة.. ما بعد فيصل علوي

في (نشمة) الوجع، قريتي البعيدة عن الله والحبّ والشعر، العاشرة ليلًا بتوقيت الغبار، والريح تعصف بكلّ شيء، في الداخل والخارج، أبدأ ليلتي.

غرب العاطفة، شرق العاصفة، أنزوي في غرفتي لا أشتهي سوى “إشتقتلك، وبعتّلك مكتوب” بعود وحنجرة فيصل علوي، تخفّف عنّي، وعن كتفيّ أطنان المسافات.

أشتاق إليكِ، تحاصرني أطيافكِ آناء المكان، تأرجحني في مدارات الحيرة والخوف. أحتاجكِ ليمضي يومي هادئًا خفيفًا، أحتاجكِ كي لا أصاب غدًا بالفزع، عندما أستيقظ وأجدني لا أزال حيًّا.

الشوق، هو الحاجة الملحة للاستماع إلى القصص، واختراعها.

اختراع القصص، في أحد أوجهه العميقة، هو اختراع الزمن. ليس الزمن الفيزيائي، بل زمن الحكاية والعواطف والأحلام والتّيه والأبطال. ليس أبطال الواقع المرتبط عضويًّا بعقارب الفيزياء، من يطهّرون قبحه وبشاعاته بميثانول الدم الثوري والمغامرات المجنونة، بل أبطال الانسحاق المثير للفضول والشفقة والإعجاب، ومن ثمّ الرغبة بضرورة التقمّص.

لقد سرقوا منّا الزمن والأبطال والحكايات، وأصبح زمننا مستهلكًا، فيزيائيًّا، ومبثوثًا ومختلطًا بروث الواقع بشكل لا توجد معه إمكانية لاختراع زمن موازٍ على مستوى الغيم، وأصبح الجميع أبطالًا مكسورين في كلّ مرّة، حيث لا داعي لاختراع القصص، وبالتالي لإشباع حاجتنا للاستماع لها. أصبحت الحياة قصص زمن وأبطال كاملة الدسم، إلّا أنّها لا تثير فينا ما تثيره القصص المتخيّلة، ولا تثير فينا الفضول والرغبة لمعرفتها.

لا يمكن للزمن الواقعي وأبطاله أن يتحوّلا إلى قصص. وسهل جدًا على زمن القصص وأبطالها التحوّل إلى واقع.

لكن، بشكل غريب ممنهج، فقدنا الواقع والفن.

بين جدران أحشرني لائذًّا بنفسي من الآخرين الذين لم أعد أجد قصصًا أسردها لهم، أو أسمعها منهم، ومن أخبار العالَم المؤسفة والحروب واللصوص، ومن شبكة الواي فاي أيضًا.

نوافذ أغلقها بإحكام، أسدّ ثقوبها الفضولية بأحذيتي وثيابي وبعض الذكريات والأعضاء، ونوافذ أتركها مفتوحة لضجري منّي ولنوارس بعيدة تحنّ لها أشجار السدر الضامئة تحت بخل الطبيعة، وربما قد أكتب قصيدة الماء، وتنبثق الينابيع من قلبي وتنتشر في الأرض.

أتكئ، أتمدد، أو أنبطح، لا فرق. معي كميّات لا بأس بها من القات، بأنواع وجودات مختلفة. لا أملك سجائر، ولّاعتي عاطلة عن العمل منذ أيام، وجيبي لم يدخله شيء حتى الفراغ. لليوم الثالث سأدخّن طفري، وسأحقد على رئتيّ المستلقيتين في صدري كسائحتين عاريتين هانئتين تتشمّسان على سواحل سُقطرى. عندما أجد مالًا، سأنتقم منهما بخسّة.

أفتح مشغّل موسيقى الهاتف على أغنية علوي المُشتهاة، أفتح قلبي لفيصل لا ليفصل بيني وبينه، بل ليزيد التوتر المتوازن مع أشياء العالم. الفن العظيم، ليس فقط الذي يفعل فينا شيئًا ما، بل يجعلنا أيضًا نشعر أنّ أشياء كثيرة لم تحدث لنا، جيدة أو سيئة، ويجب أن تحدث، يجعلنا ننتبه للغياب المستعصي عنّا، وعلينا، في أقل التقديرات، أن نتقمّصه. الفن قصّة، وإن بدا غير ذلك، وكلنا، بشكل وآخر، مغرمون به لأنّه كذلك.

“وشرحتلك، عن حالي المتعوب… اشتقتلك”

أخطّ لكِ مكاتيب، أدسّها في حمَام شبحي أنقّعه في ماء عناوينكِ وطرقكِ، وأطلقه في الفضاء الرمادي، حيث الرصاصات والطائرات الحربية والدُرون.

تطحلب فمّي، سافر القات في دمي رويدًا رويدًا، يثيرني أن أستقلّ قطارات هائجة مجنونة، في رحلة أشد جنونًا. أحتفظ بنفسي عند المكان والزمن الفيصل علوي، وقد تاه صوته في هاتفي، وتهت معه ولم تبقَ إلّا حوافر الحنجرة اللحجيّة تحفر كهروعصبيتي، والدم على قصعات الذاكرة.

“يا فاتن جمالك

من مثلك جميل

يعجبني دلالك

لمّا ما تميل.”

يتعالى عود فيصل ويعلّيني معه، يقشّر عن طريقي بعض التيه، يرقّصني ويبعث فيّ الأمل.

فيصل قادر على جعلكِ فرحانة في أيّة لحظة، يفكّ عقدة وجهكِ، يدهنه بزخات من الفرح، يحرّركِ تمامًا.

لماذا فيصل بالذات؟ ولماذا علويّة؟

ليست بالأسئلة التي لها إجابات. أسئلة الفنّ، وألغازه وإشكاليات علاقته الخاصة مع الإنسان الفرد، حيث شهوات اللعب والمعايير هلامية وحرباوية، تبقى معلّقة دائمًا.

أسئلة كهذه تتوالد وتتضاعف كطفرة انشطارية لها قرابة مع اليورانيوم غير المقيّد.

وجنتاي منفوختان، أعبّئهما قاتًا بشراهة وربشة تزيدني قلقًا ولهيبًا.

أموسق أصبعيّ الإبهام والوسطى، والغرفة لا توسع رقصتي، بل العالم كلّه لا يتسع لها.

“يا ويلك يا ظالم”، يمضي فيصل علوي في شطحاته الليليّة معي، يلكز حبالي الصوتيّة لتصرخ معه في وجه الظالمين. علوي ابن زمن يقدر فيه المرء، بأقلّ قدر من الوعي، أن يفرّق بين أعدائه وأصدقائه، أو بين الأخيار والأشرار، بعد تنقية هذه الثنائية من سياقاتها وشحناتها الدينيّة. لذلك لا يلاحظ وجعي حين أصرخ معه ضد مجهولين، أنا ابن زمن بلغ فيه التعارض الثنائي بين الأصدقاء والأعداء، الأخيار والأشرار، حدَّ الالتحام، أنا ابن زمن: للعملة وجه واحد فقط.

على العالم، أو على أغلبه بأقل التقديرات، يسيطر لون واحد، قطب واحد، جيش واحد، والحرب هي حرب أضداد كارتونية هوليوودية انتهازية داخل هذا الواحد العدو على هيئة صديق. والنصر، كاملًا أو جزيئًا، نصر له بمجمله، وكذلك الهزيمة. لا نصر لنا، نحن الفقراء، والجنوبيون، أطفال العالم الثالث، إلّا بخسارة مجملة لذلك القطب. ونحن لا مواقع لنا في هذه الحروب، ولا ثكنات.

والفنّ، اختراع القصص، شُلّتْ قدراته على التغيير. نادرًا، لمن أراد أن يحافظ على بقائه على قيد الحياة. فاحلم به، فيصل، واحسب إمكانيات النصر والهزيمة، ديالكتيكيًّا، أو بأسلوب (العم سام) ودعْني الآن، ألجم فم مشغل الصوت، لأخرسك. أصابني بعض الاكتئاب، أو عاودني، أو في الحقيقة، وهذا سرّ، أنا الاكتئاب ذاته والخوف والحزن، والآن، ينتابني قول (رجاء علّيش) كثيرًا:

كلّهم أعدائي.

حتى أنت يا فيصل، مع الكثير من الاعتذار.


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

معلومات خطيرة حول الحوار الجنوبي وتسريبات مفاجئة تخص حضرموت يكشفها صحفي عدني

يمن فويس | 550 قراءة 

بالأسماء .. صحيفة سعودية تكشف تفاصيل صادمة عن شبكة تهريب تديرها الإمارات وعيدروس الزبيدي

نيوز لاين | 499 قراءة 

من الرياض.. قيادي في الانتقالي يهاجم ”الوحدة“ ويحدد مسارين لاستقرار اليمن

المشهد اليمني | 455 قراءة 

مغترب بمرتبة وزير!!

موقع الأول | 420 قراءة 

قوة جديدة تتسلم زمام التأمين بمطار الريان بعد سنوات من التدريب المكثف... ليست درع الوطن او قوات الطوارئ

المشهد اليمني | 351 قراءة 

الخطوط الجوية اليمنية تزف بشرى سارة بشأن موعد استأنف الرحلات إلى مطار المخا

عدن الحدث | 340 قراءة 

الكشف عن حقيقة وفاة وزير الدفاع السابق الداعري في الرياض

الخليج اليوم | 303 قراءة 

شنطة اليمنيين” تسرق الأضواء في أولى رحلات مطار المخا… حقيبة بسيطة تتحول إلى أيقونة سفر!

نيوز لاين | 287 قراءة 

: الطيران الأمريكي يشن غارة في اليمن ويستهدف قيادات

عدن الحدث | 256 قراءة 

صحفي عدني يكشف معلومات خطيرة حول الحوار الجنوبي وتسريبات مفاجئة تخص حضرموت

نيوز لاين | 239 قراءة