كتابات فكرية: لماذا اعتبر الإمام مالك “الكثرة أصل شرعية الإمرة” ولو حكم الحاكم بغير ما أنزل الله؟

     
يمن ديلي نيوز             عدد المشاهدات : 100 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
كتابات فكرية: لماذا اعتبر الإمام مالك “الكثرة أصل شرعية الإمرة” ولو حكم الحاكم بغير ما أنزل الله؟

 

الدكتور/ مجيب الحميدي

في الوقت الذي أكد فيه ابن تيمية والغزالي أن شرعية الإمرة في مذهب أهل السنة والجماعة مستمدة من الأغلبية الجماهيرية، فإن الإمام مالك بن أنس، في تقديري، كان أكثر ديمقراطيةً حين ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن الكثرة هي أصل الشرعية السياسية، حتى لو حكم الحاكم بغير ما أنزل الله.

فقد رُوي أن عبدَ الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب سأل الإمام مالكًا: “يا أبا عبد الله، أيسعُنا التخلفُ عن قتال من خرج عن أحكام الله عز وجل وحكم بغيرها؟”، فقال مالك: “الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة.”

وقاعدة الكثرة والقلة هي القاعدة المطردة عند الإمام مالك في مصدرية الشرعية السياسية، ولذلك اشتهرت فتوى مالك أنه إذا بويع لاثنين يُنظر إلى الكثرة والقلة.

وفتوى مالك الأكثر شهرة هي فتوى الدفاع عن الحرية عند أداء البيعة، وإسقاط شرعية بيعة الإكراه وما يرتبط بها من أحكام يمين المكره، والتي تعرض بسببها للتعذيب والتنكيل الشديد. ولا يعني ذلك أن الفقه المالكي أغفل أهمية المشروعية في ممارسة السلطة كما يمكن أن نبين ذلك في مقال مستقل.

ولا يمكن فهم هذه المقولات إلا في سياق فهم عميق لفكرة الإمرة وشرعيتها في الفقه السياسي الإسلامي، حيث لا تُبنى – عند مالك – على الالتزام المثالي بالنصوص وحدها، بل على واقع الاجتماع البشري، ومدى قبول الناس بالحاكم.

فالكثرة هنا ليست مجرد عدد إحصائي، بل تعبير عن الرضا العام والاستقرار الاجتماعي والسياسي، وعن إدراك واعٍ أن تسلط القلة باسم الشريعة لا يصنع حكمًا راشدًا ولا تدينًا راسخًا، بل يتحول إلى وسيلة صدّ عن سبيل الله، وتنفيرٍ من الشريعة، ودفعٍ للناس إلى الخروج من الدين أفواجًا.

الكثرة المعتبرة والكثرة المُضِلة

من المهم هنا التفريق بين نوعين من الكثرة في الخطاب الديني:

الكثرة في قضايا الرأي والاختيار الشخصي: وهي التي تُذم في القرآن، كما في قوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، وهذه تتعلق بالاتباع غير الواعي للهوى والضلال في مسائل الإيمان الفردي.

الكثرة في قضايا التنظيم العام وشؤون الإمرة: وهي الأساس في الشرعية السياسية، لأنها تعبّر عن إرادة الجماعة وتوافقها، ويُقاس بها الاستقرار واستمرار النظام العام.

ففي الشأن العام، الأصل في الأمر العام هو الشورى، كما في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، ويدخل في أمرهم من ليس منهم في حالة وجودهم، فلا بد أن يراعي النظام السياسي تنوّع مكوناته الدينية والاجتماعية، ويحفظ حقوق المخالفين.

فمثلًا، يجوز في دولة الغالبية المسلمة أن تسمح لغير المسلمين بشرب الخمر أو أكل لحم الخنزير، كما فعل ذلك الخلفاء الراشدون و كما أقرّ عمر بن عبد العزيز زواج غير المسلمين من محارمهم، ضمن خصوصيات دياناتهم.

وقد تتغلب الأهواء على الأغلبية المسلمة في اختياراتها، وهنا يجد المسلم نفسه مطالبا بالانحياز لما يراه حقًا ولو كان وحده، ملتزمًا بالدليل والحجة، ولو خالفه الجميع.

غير أن الشرعية السياسية تظل حقًّا حصريًا لمن يمثل أغلبية الجماعة السياسية. والإقرار بشرعية الأغلبية لا يعني الإقرار الشخصي بشرعية الخطأ الذي اختارته الأغلبية، ومن حقك الذي تكفله لك الشريعة كما تكفله لك الأنظمة الديمقراطية ان تتخذ موقف المعارضة لخطأ الأغلبية، وتُمارس فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والكلمة الطيبة والعمل المجتمعي، في محاولة لتوسيع قاعدة التأييد لما تراه حقًا، واكتساب الشرعية عبر جولات انتخابية في نظام تعددي ديمقراطي يقبل بالتداول السلمي للسلطة.

إن هذا التصور يفتح أمام الدعوة الإسلامية أفقًا رحبًا للإقناع والتربية بدلًا من الفرض والإكراه، ويجعل بناء “المجتمع المسلم” مُقدّمًا على إقامة “الدولة الإسلامية”، لأن الأخيرة بلا قاعدة اجتماعية راسخة ستنهار، ولو رفعت أعلى الشعارات.

الفرق بين سياق شرعية الجماعة وسياق معرفة الحق:

ولا يصح هنا الخلط بين الحديث عن الجماعة بوصفها مرجعية سياسية، وبين دعوة الفرد للثبات على الحق ولو كان وحده. فالسنة النبوية فرّقت بين السياقين:

في الشأن العام: “يد الله مع الجماعة”، وهو حديث في شرعية السلطة ووحدة الصف.

وفي الشأن الفردي: “طوبى للغرباء” أي لمن يتمسكون بالحق في زمن الغربة والفساد، وهذا في الإيمان الشخصي والسلوك الفردي لا في تأسيس أنظمة الحكم.

فالسنة النبوية فرّقت بين السياقين: سياق الكثرة الذي هو أصل شرعية الإمرة، وسياق الحرص على اتباع الهدى، ولو كنت وحدك والتمسك بالدليل والحجة الواضحة ولو أفتوك وأفتوك، فالأحاديث النبوية الشريفة تضع أهمية قصوى على اجتماع كلمة الجماعة في الشأن العام، وجميع أحاديث الطاعة يجب فهمها في هذا السياق سياق احترام اختيار الجماعة وعدم شق العصا مع عدم إسقاط فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي المقابل نجد أحاديث أخرى تخص من يتمسك بالحق في قضايا العقيدة والسلوك، حتى لو خالفه الناس، وهذا في التدين الشخصي والإيمان الفردي، لا في تأسيس الحكم وشؤون الدولة. هذه الأحاديث لا يصرب بعضها بعضا كما يتوهم البعض، فلكل حديث سياقه ومجاله.

كتابات فكرية: تفكيك الخلط بين الشرعية والمشروعية في الفقه السياسي الحديث

تأويل منحرف لعبارة مالك

للأسف، بعض الجماعات المتطرفة تروّج لتأويل منحرف لكلام الإمام مالك، فتفهم “الكثرة والقلة” على أنها معيار قوة وغلبة وسلاح، لا معيار قبول اجتماعي واستقرار مدني. وهذا تشويهٌ صارخ لمقاصد الإمام مالك، الذي نشأ في بيئة فقهية تقدّر حدًا أدنى من النظام وتحذّر من الفوضى، ولو كانت مرفوعة على رايات دينية.

نعم، يمكن أن يُفهم من كلام الإمام مالك أنه يجوز خروج الكثرة على الحاكم إذا فقد شرعيته الشعبية، لكن لم يُجز قط أن تدّعي أقلية مسلحة تمثيل الكثرة، أو أن تنصّب نفسها وصية على الأمة.

شرعية الكثرة ومصلحة الدعوة الإسلامية:

في ضوء الحريات الحديثة، فإن القول بأن الكثرة هي أصل شرعية الإمرة هو الأنفع لخطاب الدعوة الإسلامية، لأنه يحفّزها على الاشتغال بالمجتمع، لا على المجتمع، ويدفعها إلى تعزيز التثقيف الديني والتربية الإيمانية لا السعي إلى فرض الشريعة بالقهر. وهذا المنهج، لو فقهه الدعاة وأخلص له المربون، لكان أكثر نفعًا للدين والدنيا معًا.

لقد أثبت التاريخ أن تسلّط القلة على الأغلبية لا يخدم حتى الأقليات نفسها، فحتى لو تمكنت من الحكم بالقوة أو المناورة، فإن المجتمع يلفظها في النهاية، لأنها لم تنبع من وجدان الناس، ولا مثلت إرادتهم الجمعية.

هكذا يقدم لنا الإمام مالك فقهًا سياسيًا متوازنًا، يجعل الشرعية مرتبطة بالكثرة الاجتماعية، لا بالشعارات الثورية ولا بالمثالية المجردة. وهي رؤية ناضجة وواقعية، تصلح لبناء دول مستقرة ومجتمعات راشدة، في كل زمان ومكان.

مرتبط

الوسوم

مجيب الحميدي

الامام مالك

الحرية

الديمقراطية

السنة والجماعة

الشورى

شرعية الامرة

نسخ الرابط

تم نسخ الرابط


Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

اعلامي بارز تابع للانتقالي المنحل يفجر مفاجأة بعد وصوله الرياض.. ماذا قال عن الزبيدي؟

المشهد اليمني | 730 قراءة 

بعد عودته من الرياض.. الحنشي يكشف ما يجري هناك

موقع الأول | 628 قراءة 

صرخات (استغاثة) ومطاردة (هوليودية)!!.. تسريب فيديو اختطاف (٣) فتيات من الشارع أمام المواطنين!

موقع الأول | 524 قراءة 

اعلامي بارز تابع للانتقالي المنحل يفجر مفاجأة بعد وصوله الرياض.. ماذا قال عن الزبيدي؟

الخليج اليوم | 498 قراءة 

مدير مكتب ‘‘المحرمي’’ يكشف كواليس ما يحدث في الرياض: السعودية محتنا ‘‘الضوء الأخضر’’ وهذا ما قاله الأمير خالد

المشهد اليمني | 474 قراءة 

النعماني: شلال شائع يشرع في ”تفكيك“ إمبراطورية الزبيدي من الرياض وينتقم لسنوات الإقصاء

المشهد اليمني | 451 قراءة 

عاجل:الموافقة على استئناف الرحلات من مطار صنعاء

كريتر سكاي | 438 قراءة 

أبرزهم ‘‘هاشم الأحمر’’.. ثلاث قيادات عسكرية بارزة مرشحة لشغل منصب وزير الدفاع في حكومة الزنداني (الأسماء)

المشهد اليمني | 436 قراءة 

عقب مهمة الرياض.. عودة قيادات عسكرية رفيعة إلى حضرموت وسط ترتيبات جديدة

المشهد اليمني | 422 قراءة 

تسريبات تكشف ثلاثة مرشحين لمنصب وزير الدفاع في حكومة الزنداني المرتقبة أبرزهم العقيلي و الأحمر ( الأسماء)

يني يمن | 375 قراءة