السجن في زمن المليشيا: حين تُصبح الذاكرة طوق نجاة

موقع الأول             عدد المشاهدات : 124 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
السجن في زمن المليشيا: حين تُصبح الذاكرة طوق نجاة

كتاب الرأي

بكيل الخالدي

لن أتحدث – كما جرت العادة – عن السجن من زاوية التعذيب والجوع والمرض والموت، ولا عن تلك التفاصيل التي جعلت من سجون الحوثيين واحدة من أبشع تجارب الاعتقال في تاريخ الإنسانية. بل سأتحدث عن وجهٍ آخر، وجه لا يُرى إلا هناك؛ في سجون المليشيا التي انغمست بوحشية في انتهاك كل ما أقرّته القوانين والأعراف الدولية من حقوق.

هناك، في عتمة تلك الزنازين، يتحول السجن من مكان للعقوبة إلى فضاء للترويع والانتقام، ومسرح للموت البطيء. وجه السجن الذي أتحدث عنه لا تُجسّده الكلمات، ولا يمكن للحديث أن يدينه بما يكفي، لأنه أعمق من أن يُختصر أو يُفهم دون معايشة.

السجن كشرطٍ للعدم

إنها تجربة لا تُفهم إلا بالخوض فيها. وكلما طالت، كشفت عن وجوه وأصوات دفنتها المعاناة. لكن، أي معرفة تستحق أن تخوض الجحيم من أجلها؟ وما عليك، حين تُلقى هناك، إلا أن تلملم بقايا قوتك لتصف أقل القليل من واقعٍ هائلٍ في قسوته.

سأتحدث عما تبقى في الذاكرة... عن ذاكرة السجن.

فالسجن، في جوهره، هو حالة نفي كليّ للإنسان. تُجبر فيه على تقطير حياةٍ افتراضية من حجر الذاكرة، وتُدفع – رغمًا عنك – إلى نسج عالمٍ متخيّل في مكان خاوٍ صلب. تُحرَم من كل أشكال الحياة، فيصبح كل ما يُبقيك قائمًا هو ما تحمله من ذكريات.

أنت هناك، بكامل مشاعرك وتفاصيلك، في غيابٍ تام. لا حضور لك في الحاضر. لا هو حياةٌ تُعاش، ولا موتٌ يُريح. إنه المنصة التي تُصعَد إليها قسرًا، ليُلفّ حبل المشانق حول عنقك. وتجد نفسك معلّقًا، كأنك على وشك السقوط في هوة الموت، ممسكًا بالحياة فقط عبر رؤوس أصابعك التي تمنع جسدك من الانزلاق.

اختراع الحياة داخل المقصلة

في هذا التوتر المشدود حتى حده الأقصى – لا لساعات أو أيام، بل لسنوات – تجد نفسك مضطرًا لأن تخترع الحياة. تصبح الذاكرة سلاحك الوحيد في مواجهة جحيمٍ لا يُطاق. تتشبث بها كما يتشبث الغريق بقشة، وتعيد من خلالها بناء روحك المهشّمة كل يوم.

في السجن، نحن لا نعيش... نحن نخلق الحياة من العدم. نمنح ذاكرتنا القدرة على اختراع حياة كاملة، نخترع أشخاصًا نحبهم أو نكرههم، نخوض معهم معارك ننتصر فيها أو نُهزم. نخترع نساءً نشتاق إليهن، نبكي عليهن، ونسكن إليهن كما لو أننا نصلّي. وإذا ابتعدن عنّا، نحزن كما لو كنّ حقًا معنا. وقد نحاول الانتحار أيضًا.

من لا يُجيد فن اختراع الحياة في السجن، قد يُسحبه اليأس إلى الموت. فالسجن، هذا الحيز الذي يفصل بين الحياة والموت، يجعل من الذاكرة طوق نجاة. وحدهم من عرفوا قسوة الزنازين، كحال آلاف المعتقلين في سجون الحوثي، يدركون حقيقة هذه الذاكرة، وكم هم بحاجة إليها.

السنوات التي تتكرر بلا معنى، تجعل الذاكرة عطشى. تصبح صحراء شقّها الظمأ، وتحاول جاهدة أن تصون ما تبقّى من ماء الحياة فيها. ولأننا نخاف أن تموت الذاكرة فتموت أرواحنا معها، نظل نبحث عن ما يسقيها... ولو بقطرة.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

مراسل الجزيرة: الحوثيون صادروا فرحة العرائس في قريتي

الميثاق نيوز | 1167 قراءة 

نائب وزيرة الخارجية يكشف شرط الحكومة لفتح مطار صنعاء

الميثاق نيوز | 1104 قراءة 

ألوية العمالقة الجنوبية تحسم الجدل بشأن مشاركتها في المعركة ضد الحوثي

موقع الأول | 1062 قراءة 

تحركات عسكرية غير مسبوقة.. تعزيزات ضخمة تتجه إلى جبهات حاسمة تمهيدًا لمعركة فاصلة

نيوز لاين | 839 قراءة 

الانتقالي يُقيل أحد أبرز قياداته في خطوة مفاجئة

نيوز لاين | 825 قراءة 

تصريح مثير للعمالقة بشان الحرب مع الحو ثي

كريتر سكاي | 637 قراءة 

اليوتيوبر أحمد الجيشي يوجه رسالة إلى أتباع الحوثيين

الميثاق نيوز | 557 قراءة 

قيادي حوثي بارز يدعو إلى تسوية سياسية ويحذر من انفجار الأوضاع

الحرف 28 | 478 قراءة 

قريباً في أجواء اليمن.. سرب مروحيات "أباتشي" أمريكية ضمن صفقة مع الحكومة الشرعية

المشهد اليمني | 477 قراءة 

اغتيال قائد اللواء الرابع بقوات درع الوطن إثر كمين مسلح بين الوديعة والعبر

عدن أوبزيرفر | 429 قراءة